الرئيسية / الضبط / 5 مذكرة / التأصيل‭ ‬الشرعي‭ ‬لحكم‭ ‬تبرع‭ ‬غير‭ ‬المسلمين‭ ‬في‭ ‬مصالح‭ ‬المسلمين.. د.عز الدين بن زغيبة
التبرع

التأصيل‭ ‬الشرعي‭ ‬لحكم‭ ‬تبرع‭ ‬غير‭ ‬المسلمين‭ ‬في‭ ‬مصالح‭ ‬المسلمين.. د.عز الدين بن زغيبة

اختلف العلماء في مسألة قبول المسلم الهدية أو الهبة أو التبرع من غير المسلم إلى فريقين؛ مجيز لقبولها، ومانع من ذلك، وسنسعى فيما يأتي إلى تتبع أدلة الفريقين والبحث في وجوه الاستدلال التي اعتمدها كل فريق في الوصول إلى الحكم الذي تبناه.

الاجتهاد: اعتمد المجيزون لقبول تبرعات غير المسلمين في مصالح المسلمين على جملة من الأدلة تنوعت بين النقل والعقل، والأثر والنظر، وسنعرضها في العناصر الآتية:

(أ) الاستدلال من الكتاب الكريم:

إن الأصل في التعايش بين المسلمين وغيرهم من الملل هو قوله تعالى (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تَبَرّوهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين) الممتحنة 8، وقد قال الإمام الطبري في تفسير هذه الآية بعد أن ساق أقوال المفسرين فيها: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عنى بذلك لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين من جميع أصناف الملل والأديان أن تبروهم وتَصلوهم وتقسطوا إليهم، إن الله عز وجل عنى بقوله (الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم) جميع من كان ذلك صفته، فلم يخصص به بعضاً دون بعض، ولا معنى لقول من قال: ذلك منسوخ لأن بر المؤمن من أهل الحرب ممن بينه وبينهم نسب، أو من لا قرابة بينه وبينهم ولا نسب غير محرّم ولا منهي عنه(21)،

وإلى نفس المعاني أشار الشوكاني في تفسيره لهذه الآية؛ حيث قال «إن الله سبحانه وتعالى لا ينهى عن بر أهل العهد من الكفار الذين عاهدوا المؤمنين على ترك القتال، وعلى أن لا يظاهروا الكفار عليهم»(22)، ويقول ابن الجوزي معلقاً على قوله تعالى (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين): «وهذه الآية رخصة في صلة الذين لم ينصبوا الحرب للمسلمين وجواز برهم وإن كانت الموالاة منقطعة عنهم»(23).

جميع‭ ‬الأديان‭ ‬أمرت‭ ‬بالتراحم‭ ‬والتواصل‭ ‬والتعاون‭ ‬على‭ ‬البر‭ ‬والإسلام‭ ‬ضرب‭ ‬المثل‭ ‬الأعلى‭ ‬بالبر‭ ‬بغير‭ ‬المسلمين

ولذلك ختم الله سبحانه وتعالى الآية بقوله (إن الله يحب المقسطين)، فعدم النهي عن البر والقسط، نهي عن الولاء والانتماء، وهو المعنى الذي أشار إليه صاحب تفسير مفاتيح الغيب بقوله: والمعنى: لا ينهاكم الله عن مبرة هؤلاء، وإنما ينهاكم عن تولي هؤلاء، وهذا رحمة لهم لشدتهم في العداوة(24).

وفي الجملة فإن الآية تستوعب كل أهل الأديان وجميع أصناف الملل التي لم تقاتل المسلمين في دينهم، وهي تشمل بذلك كافة أنواع العلاقات الإنسانية من التكافل والتعاون والتبادل أخذاً وعطاءً على مستوى الدولة والمؤسسات والمنظمات والجمعيات والأفراد؛ لأن من موازين الحق والقسط والعدل والإنصاف التي نزل بها القرآن، وقامت عليها شريعة الإسلام أن يبر الإنسان مَن بَره ويحسن إلى من أحسن إليه وزيادة.

ولعل سبب نزول هذه الآية، الذي ركن إليه كثير من المفسرين، يبين بوضوح هذه المسألة، فعن عامر بن عبدالله بن الزبير قال: قدمت قُتَيْلةُ ابنة عبدالعُزَّى بن عبد أسعد من بني مالك بن حَسَل على ابنتها أسماء ابنة أبي بكر بهدايا؛ ضِباب وأقط وسَمن وهي مشركة فأبت أسماء أن تقبل هديتها وتدخلها بيتها، فسألت عائشة النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين) إلى آخر الآية، فأمرها أن تقبل هديتها وأن تدخلها بيتها(25).

(ب) الاستدلال من السنة المطهرة:

جاء في السنة المطهرة من الأقوال والأفعال والإقرارات ما فيه دلالة ساطعة بالغة على جواز قبول الهدية والعطية والتبرع من غير المسلمين لمصالح المسلمين وأعمالهم الخيرية، ونظراً لكثرة تلك الأدلة أفرد الإمام البخاري لها باباً في صحيحه تحت عنوان (باب قبول الهدية من المشركين)(26)، ثم أورد تحت هذا الباب عدداً من الأحاديث الدالة على جواز ذلك، وقد بوب الترمذي بمثل ذلك في سننه فقال: «باب ما جاء في قبول هدايا المشركين»(27)، وعلى نفس المنحى سار أبو داود؛ حيث ضمن أبواب كتاب «الخراج والإمارة والفيء» باباً في قبول هدايا المشركين فقال: «باب في الإمام يقبل هدايا المشركين»(28)، ولكنه أورد فيه حديث بلال رضي الله عنه المجيز لقبول هدايا المشركين، وحديث عياض بن حمار في قبول هدايا المشركين، وسنفصل ذلك في موضعه.

وقد جاء في صحيح البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: أُهدِيَ للنبي(29) صلى الله عليه وسلم جُبّة من سندس، وكان ينهى عن الحرير، فعجب الناس منها، فقال: «والذي نفس محمد بيده لَمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا(30)، وفي هذا الحديث دلالة واضحة على قبوله صلى الله عليه وسلم هدية أكيدر دومة، وإن لم تنل منه صلى الله عليه وسلم محل الإعجاب، ولا الاستعمال؛ فأعطاه علياً فقال: «شققه خُمُراً بين الفواطم»(31). وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن يهودية أتت النبي صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة، فأكل منها فجيء بها فقيل ألا تقتلها، قال: «لا». فمازلت أعرفها في لهوات رسول الله صلى الله عليه وسلم(32)، وهو ظاهر أيضاً في قبوله صلى الله عليه وسلم لهدايا أهل الكتاب.

ومما يدخل في هذا الباب ويعضد ما سبق من النصوص في دلالاتها على جواز القبول للهدية من غير المسلمين؛ حديث بلال رضي الله عنه الطويل؛ في قصة الدين الذي تحمله بلال رضي الله عنه، ومحل الشاهد فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «أبشر فقد جاء الله بقضائك». ثم قال: «ألم تر الركائب المناخات الأربع؟ «فقلت: بلى. فقال إن لك رقابهن وما عليهن فإن عليهن كسوة وطعاماً أهداهن إلي عظيم فدك فاقبضهن واقض دينك. ففعلت»(33).

أعمال‭ ‬البر‭ ‬والخير‭ ‬أمر‭ ‬متبادل‭ ‬بين‭ ‬المسلمين‭ ‬وغير‭ ‬المسلمين‭ ‬وفق‭ ‬الشروط‭ ‬الشرعية‭ ‬والضوابط‭ ‬المرعية

ومما استدلوا به أيضاً في هذا الباب ما أخرجه البخاري ومسلم عن عبدالرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثين ومائة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هل مع أحد منكم طعام؟» فإذا مع رجل صاع من طعام أو نحوه فعجن، ثم جاء رجل مشرك مشعان طويل بغنم يسوقها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بيعاً أم عطية؟» أو قال: «أم هبة؟» قال: لا، بل بيع، فاشترى منه شاة فصنعت، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بسواد البطن أن يشوى، وأيم الله ما في الثلاثين ومائة إلا وقد حز النبي صلى الله عليه وسلم له حزة من سواد بطنها إن كان شاهداً أعطاها إياه، وإن كان غائباً خبأ له فجعل منها قصعتين فأكلوا أجمعون وشبعنا ففضلت القصعتان فحملناه على البعير أو كما قال(34). وفي هذا الحديث دلالة على قبول هدية المشرك؛ لأنه سأله هل يبيع أو يهدي(35).

ومن أدلة الباب أيضاً قبول النبي صلى الله عليه وآله وسلم الهدية من سلمان الفارسي رضي الله عنه قبل إسلامه؛ قال الحافظ العراقي معلقاً على الحديث «وفيه قبول هدية الكافر؛ فإن سلمان رضي الله عنه لم يكن أسلم إذ ذاك، وإنما أسلم بعد استيعاب العلامات الثلاث التي كان عَلِمَها من علامات النبوة» وهي امتناعه عن الصدقة وأكله للهدية وخاتم النبوة، وإنما رأى خاتم النبوة بعد قبول هديته(36).

ولم يكن قبول النبي صلى الله عليه وسلم للهدايا من غير المسلمين مقصوراً على طبقة معينة من الناس، ولا جنس معين منهم، بل كان يقبل حتى من الملوك كما يقبل من عامة الناس، فعن علي رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن كسرى أَهْدَى له فَقَبِلَ وأن الملوك أهدت إليه فقَبِلَ منهم(37)، ومما يندرج في هذا الباب ويؤكد هذا المعنى وبعززه في موقع الاستدلال ما جاء عن أبي حميد الساعدي قال: أهدى ملك أيلة للنبي صلى الله عليه وسلم بغلة بيضاء وكساه برداً وكتب إليه ببحرهم» يعني بلدهم(38).

وعلى نهجه صلى الله عليه وسلم جاءت آثار الصحابة والتابعين في التعامل مع غير المسلمين فيما يتعلق بهداياهم وهباتهم وعطاياهم، فقد جاء في مصنف ابن أبي شيبة؛ أن امرأة سألت عائشة، قالت: «إن لنا أطياراً من المجوس، وإنه يكون لهم العيد فيهدون لنا، فقالت: أما ما ذبح لذلك اليوم فلا تأكلوا ولكن كلوا من أشجارهم»(39). وعن أبي برزة رضي الله عنه أنه كان له سكان مجوس، فكانوا يهدون له في النيروز والمهرجان، فكان يقول لأهله: ما كان من فاكهة فكلوه، وما كان من غير ذلك فردوه(40).

(جـ) الإجماع:

نقل ابن المنذر في إجماعاته إجماع العلماء على جواز هبة الذمي للمسلم وكذا وصيته له؛ حيث قال: وأجمعوا على أنه إذا وهب المسلم للذمي أو وهب الذمي للمسلم (ما يجوز أن يملكه المسلم(، وقبض ذلك الموهوب وكان الشيء مقداراً معلوماً، أن ذلك جائز(41)، كما نقل إجماعهم في باب الوصية من الذمي للمسلم فقال: وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن وصية الذمي للمسلم مما يجوز أن يملكه جائزة(42).

2- المانعون من قبول تبرعات غير المسلمين في مصالح المسلمين:

اعتمد المانعون من قبول تبرعات غير المسلمين في مصالح المسلمين على جملة من الأدلة القرآنية والنبوية، وهي كما يأتي:

(أ) الاستدلال من الكتاب:

استدل أصحاب هذا الرأي بقوله تعالى (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) التوبة 5، وقالوا بأن الأمر بالقتال الوارد في هذه الآية نسخ الإذن في المبرة والصلة الوارد في آية (لا ينهاكم الله)، والتي استدل بها المجيزون، ونسب الطبري هذا القول في تفسيره إلى ابن زيد وقتادة(43).

من‭ ‬موازين‭ ‬الحق‭ ‬والقسط‭ ‬والعدل‭ ‬والإنصاف‭ ‬التي‭ ‬نزل‭ ‬بها‭ ‬القرآن‭ ‬وقامت‭ ‬عليها‭ ‬شريعة‭ ‬الإسلام‭ ‬أن‭ ‬يحسن‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬أحسن‭ ‬إليه‭ ‬وزيادة

وقد نقل القرطبي في تفسيره طائفة من الأقوال التي ترى نسخ آية (لا ينهاكم الله)، أو زوال علتها بعد نزول آية القتال أو أنها خاصة بطائفة معينة دون غيرها من الناس؛ حيث قال: قوله تعالى (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين)، فيه ثلاث مسائل: الأولى: هذه الآية رخصة من الله تعالى في صلة الذين لم يعادوا المؤمنن ولم يقاتلوهم، قال ابن زيد: كان هذا في أول الإسلام عند الموادعة وترك الأمر بالقتال ثم نسخ. قال قتادة: نسختها: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) التوبة 5.

وقيل: كان هذا الحكم لعلة، وهو الصلح، فلما زال الصلح بفتح مكة نسخ الحكم وبقي الرسم يتلى. وقيل: هي مخصوصة في حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم ومن بينه وبينه عهد لم ينقضه، قاله الحسن الكلبي: هم خزاعة وبنو الحارث بن عبد مناف. وقاله أبو صالح، وقال: هم خزاعة. وقال مجاهد: هي مخصوصة في الذين آمنوا ولم يهاجروا. وقيل: يعني به النساء والصبيان؛ لأنهم ممن لا يقاتل، فأذن الله في برهم. حكاه بعض المفسرين(44).

وبعد أن استعرض القرطبي تلك الأقوال، عقب عليها بما يفيد ضعف ملحظها في القول بالنسخ فقال: وقال أكثر أهل التأويل: هي محكمة(45).

(ب) الاستدلال من السنة المطهرة:

لقد ورد في السنة النبوية عدد من النصوص التي مفادها المنع من قبول هدايا وهبات وعطايا غير المسلمين، وقد أفرد الإمام الترمذي لذلك باباً في أبواب السير من سننه فقال: «باب: في كراهية هدايا المشركين».

وأخرجه الإمام الترمذي في سننه عَنْ يَزِيدَ بْنِ عبداللهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حمار، أَنَّهُ أَهْدَى لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم هَدِيَّةً لَهُ أَوْ نَاقَةً، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَسْلَمْتَ» قَالَ: لاَ، قَالَ: «فَإِنيِ نُهيت عَنْ زَبْدِ(46) المشركين»(47)، وقال في فقه هذا الحديث: ومعنى قوله: إني نهيت عن زبد المشركين، يعني: هداياهم، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقبل من المشركين هداياهم، وذكر في هذا الحديث الكراهية، واحتمل أن يكون هذا بعد ما كان يقبل منهم، ثم نهى عن هداياهم(48).

وأظن أن الذي جعل الإمام الترمذي يلمح من بعيد إلى أن هذا النص قد يكون نسخ النصوص المجيزة لقبول هبات غير المسلمين، هو ورود عبارة: «فإني نهيت عَنْ زَبْدِ المشركين» في الحديث، مع وجود نصوص صحيحة وصريحة في قبوله صلى الله عليه وسلم لهدايا غير المسلمين.

وقد أورد أبو داود حديث بلال رضي الله عنه المجيز لقبول هدايا المشركين، وحديث عياض بن حمار المانع من قبول هدايا المشركين، في نفس الباب – «باب في الإمام يقبل هدايا المشركين» – من كتاب «الخراج والإمارة والفيء، ولم يورد غيرهما، ولكنه ذكر حديث بلال رضي الله عنه أولاً ثم أعقبه بحديث عياض بن حمار، وكأنه يومئ بهذا الترتيب إلى ما ألمح إليه الإمام الترمذي من بعيد من إمكانية وجود نسخ في المسألة.

وحاول الإمام الخطابي تفسير هذا الإشكال بما لا يدع للتعارض مجالاً بين النصوص الواردة في مسألة هدايا غير المسلمين فقال: في رد هديته – عياض بن حمار – وجهان؛ أحدهما أن يغيظه برد الهدية فيمتغص منه، فيحمله ذلك على الإسلام، والآخر أن للهدية موضعاً من القلب، وقد روي «تهادوا تحابوا» ولا يجوز عليه صلى الله عليه وسلم أن يميل بقلبه إلى مشرك، فرد الهدية قطعاً لسبب الميل،

وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل هدية النجاشي، وليس ذلك بخلاف لقوله: نهيت عن زبد المشركين؛ لأنه رجل من أهل الكتاب ليس بمشرك، وقد أبيح لنا طعام أهل الكتاب ونكاحهم، وذلك خلاف حكم أهل الشرك(49)، وإلى هذا الرأي مال ابن القيم(50) لكن ترجمة الباب عند البخاري والترمذي وأبي داود تجعل من الصعب قبول هذا الوجه من التفسير، فقد بوب الإمام البخاري في صحيحه تحت عنوان: «باب قبول الهدية من المشركين»(51)،

وبوب الترمذي بمثل ذلك في سننه فقال: «باب ما جاء في قبول هدايا المشركين»(52)، وبنفس الصنيع فعل أبو داود فقال: «باب في الإمام يقبل هدايا المشركين»(53)، وقد وصف ابن حجر هذا الرأي بالقول الفاسد في تعليقه على حديث عبدالرحمن بن أبي بكر السالف الذكر فقال: «وفيه فساد قول من حمل رد الهدية على الوثني دون الكتابي؛ لأن هذا الأعرابي كان وثنياً»(54).

ويندرج في سلم الأدلة الدالة على منع قبول هبات وهدايا غير المسلمين في مصالح المسلمين ما أخرجه أبو موسى بن عقبة في المغازي عن ابن شهاب عن عبدالرحمن بن كعب بن مالك ورجال من أهل العلم أن عامر بن مالك الذي يدعى ملاعب الأسنة(55) قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مشرك فأهدى له فرسين وراحلتين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا أقبل هدية مشرك، فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام فلم يسلم ولم يبعد(56).

العلماء‭ ‬الذين‭ ‬قالوا‭ ‬بجواز‭ ‬قبول‭ ‬الهبات‭ ‬والتبرعات‭ ‬والهدايا‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬المسلمين‭ ‬في‭ ‬مصالح‭ ‬المسلمين‭ ‬قيدوا‭ ‬ذلك‭ ‬بجملة‭ ‬من‭ ‬الشروط

3- الجمع والترجيح:

إن التعارض الظاهري القائم بين النصوص المجيزة لقبول هبات غير المسلمين، والنصوص المانعة من قبولها؛ استوجب من العلماء سعياً رجيحاً لتحقيق الجمع بينها، ولأجل هذه الغاية كانت هناك اجتهادات عديدة للعلماء، حاولوا من خلالها دفع التعارض الواقع بينها.

فذهب جماعة من العلماء إلى القول بالنسخ في هذا الباب، ومن هؤلاء ابن حزم الظاهري؛ فهو يرى أن النصوص الواردة في إجازة قبول الهبات والهدايا من غير المسلمين ناسخة لنصوص المنع من قبولها، وذلك في تعليقه على حديث عياض بن حمار السالف الذكر؛ حيث قال: قلنا: هذا منسوخ بخبر أبي حميد(57) الذي ذكرنا؛ لأنه كان في تبوك، وكان إسلام عياض قبل تبوك(58)، وإلى نفس المعنى ذهب الخطابي فيما نقله عنه العيني؛ حيث قال: يشبه أن يكون هذا الحديث منسوخاً؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قبل هدية غير واحد من المشركين؛ أهدى له المقوقس مارية والبغلة وأهدى له أكيدر دومة فقبل منهما(59).

وعقَّب المباركفوري على هذا الرأي فقال: قلت: يدل على قول من ادعى نسخ المنع بأحاديث القبول ما رواه أحمد عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: قدمت قتيلة ابنة عبدالعزيز بن سعد على ابنتها أسماء بهدايا: ضباب، وأقط، وسمن، وهي مشركة، فأبت أسماء أن تقبل هديتها وتدخلها بيتها، فسألت عائشة النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم) الممتحنة 8(60،61).

وقال الإمام الطبري دافعاً التعارض بين تلك النصوص: إن الامتناع فيما أهدي له صلى الله عليه وسلم خاصة والقبول فيما أهدي للمسلمين(62)، وعقب ابن حجر على هذا الاجتهاد بالقول: وفيه نظر؛ لأن من جملة أدلة الجواز ما وقعت الهدية فيه له صلى الله عليه وسلم خاصة(63)، وقال بعض العلماء: إن الامتناع في حق من يريد بهديته التودد والموالاة، والقبول في حق من يرجى بذلك تأنيسه وتأليفه على الإسلام(64)، ويرى ابن حجر أن هذا التأويل أقوى من اجتهاد الإمام الطبري(65)، وذهب الخطابي إلى حمل القبول على من كان من أهل الكتاب والرد على من كان من أهل الأوثان(66)، وتبعه في ذلك ابن القيم(67)، وقد بينا عدم صواب هذا الرأي فيما سبق، وقيل يمتنع ذلك لغيره من الأمراء وأن ذلك من خصائصه(68)، أي أن امتناعه عن قبول هدايا المشركن أمر خاص به صلى الله عليه وسلم ومما يقتضيه مقام النبوة الذي يجعله يتنزه عن أشياء لا تحمل عليها أمته صلى الله عليه وسلم.

وفي سياق هذه الاجتهادات قال المباركفوري: ولا يبعد أن يقال إن الأصل هو عدم جواز قبول هدايا المشركين، لكن إذا كانت في قبول هداياهم مصلحة عامة أو خاصة فيجوز قبولها والله تعالى أعلم(69).

وأولى الأقوال بالاعتبار من الاجتهادات التي سبق ذكرها، من حيث مناسبتها للمنقول والمعقول، هو قول بعض العلماء بأن الامتناع في حق من يريد بهديته التودد والموالاة، والقبول في حق من يرجى بذلك تأنيسه وتأليفه على الإسلام(70).

والذي اعتقده في هذه المسألة؛ أن الأمر لا يتعلق بنسخ في النصوص، ولا الإباحة في حق الكتابي دون الوثني، ولا هي خصيصة اختُص بها صلى الله عليه وسلم دون أمته، ولا الامتناع فيما أهدي له صلى الله عليه وسلم خاصة والقبول فيما أهدي للمسلمين، وإنما هو فقه سياسة شرعية مبنية على مقاصد شرعية عليا أساسها قاعدة جلب المصالح ودرء المفاسد؛ لأن الأمر لا يتعلق بتعامل فردي، بل يتعداه إلى التعامل الجماعي وتعامل الدولة نفسها مع نظرائها من غير المسلمين الذي يرتبط به أمن الأمة ومصيرها.

فالأصل جواز قبول هبات وتبرعات غير المسلمين في مصالح المسلمين؛ وذلك بناء على الأدلة الكثيرة والقوية الدالة على هذا الأصل، ولأن هذه التصرفات هي من باب المعاملات المتاح للناس جميعاً التعامل بها والتعاون فيها إلا إذا دخل فيها محرم، أو اتصل بها شرط حرم حلالاً أو أحل حراماً؛ فلذلك نجد الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث عبدالرحمن بن أبي بكر قد خير الأعرابي بين الهبة والهدية والبيع؛ أي في صور المعاملات التي يمكن أن يتعامل فيه المسلم مع غير المسلم فقال: …ثم جاء رجل مشرك مشعان طويل بغنم يسوقها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بيعاً أم عطية؟» أو قال: «أم هبة؟» قال: لا، بل بيع(71)؛ لأن الناس مدنيون بالطبع لا تستقيم معايشهم إلا بالتعاون بينهم، بتبادل ما في أيديهم أو ببذله دون مقابل، شريطة أن لا يضيق بعضهم على بعض بحيث يفضي إلى فساد التمدن؛ ولذلك كان الاستنماء الذي لا دخل للتعاون فيه كالميسر وعقود الربا وما في حكمها، تصرفات غير مرضية ولا أسباب صالحة، وإنما هي عمل باطل وإخلال بأصل الحكمة المدنية.

يجب‭ ‬أن‭ ‬تخلو‭ ‬تبرعات‭ ‬وهبات‭ ‬غير‭ ‬المسلمين‭ ‬من‭ ‬أهداف‭ ‬الهيمنة‭ ‬على‭ ‬المسلمين‭ ‬أو‭ ‬استذلالهم

ولما كان غير المسلمين لا يؤمن جانبهم وشرهم ولا يسلم من أذاهم ولا خيانتهم وغبنهم للمسلمين وعداوتهم المستترة لهم وانتقاصهم من قدرهم، الذي دلت عليه الآيات الكثيرة؛ حيث قال تعالى (ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزّل عليكم من خير من ربكم) البقرة 105، وقال تعالى (وَدّ كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من أنفسهم) البقرة 109،

وقال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتّبع مِلّتهم، قل إن هدى الله هو الهدى، ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير) البقرة 120، وقال تعالى (كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلّاً ولا ذمة، يُرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون. اشترَوْا بآيات الله ثمناً قليلاً فصدوا عن سبيله، إنهم ساء ما كانوا يعملون. لا يرقبون في مؤمن إلّاً ولا ذمة، وأولئك هم المعتدون) التوبة 8-10،

وقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانةً من دونكم لا يألونكم خَبالاً وَدّوا ما عَنِتّم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر، قد بيَّنا لكم الآيات إن كنتم تعقلون) آل عمران 118، وقال تعالى (هاأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنَّا وإذا خَلَوْا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ، قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور. إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها، وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً، إن الله بما يعملون محيط) آل عمران 119-120، وكذا سعيهم الحثيث لتلبية حاجات كثير من فئات المسلمين الفقيرة والمعوزة، واستغلالها لتحقيق أهدافهم وأغراضهم ضد الأمة.

فمن أجل سد هذه الثغرة، وحماية بيضة الأمة من هذه الجهة، جاءت الشريعة بأصل المنع لقبول هبات وتبرعات غير المسلمين، كسند يلوذ به ولي الأمر في تعطيل أصل الإذن بالإباحة والجواز الذي جاءت به الشريعة أيضاً، وذلك تقوية لمقام رعايته لمصالح الأمة، وتمكيناً لجهة اختصاصه بأمنها وسلامة وحدتها، وبقاء شوكتها، فالشريعة قصدت بأصل الإباحة والإذن إقامة جانب التمدن وتوسيع التعاون على البر والعمل الخيري، وقصدت بأصل المنع تقوية جانب سلطة ولي الأمر في التدخل إذا ما تعرض أصل الإباحة والإذن للانخرام بما يعود على الأمة بالفساد، وعلى نظامها وانتظامها بالاختلال.

ولذلك نجد أن العلماء الذين قالوا بجواز قبول الهبات والتبرعات والهدايا من غير المسلمين في مصالح المسلمين قد قيدوا ذلك بجملة من الشروط تجعلها في منأى عن استغلالها لأغراض فاسدة وغير مشروعة، ويمكن تلخيص تلك الشروط في العناصر الآتية:

1- ألا تكون هذه التبرعات والهبات مرتبطة بشروط تخالف أحكام الشريعة.

2- التنبه لمآلات هذه التبرعات والهبات، وما تسعى إليه هذه الجهات من المرامي البعيدة.

3- أن تخلو هذه التبرعات والهبات من أهداف الهيمنة على المسلمين أو استذلالهم.

4- أن يكون جانب الجهات المتبرعة والواهبة مأموناً، ويُتأكد من خلو تلك التبرعات من ضرر قد يلحق بالمسلمين.

وعلى الأخذ بأصل الإباحة والجواز في قبول هبات وتبرعات غير المسلمين في مصالح المسلمين بشروطها، مع اعتبار أصل المنع ومراعاة مقاصده في الاجتهاد سار جمهور الفقهاء في التفريع الفقهي.

فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز قبول هدية وهبة وتبرع غير المسلم سواء أكان كتابياً أم من أي ملة كانت تأليفاً وترغيباً له في الإسلام(72)، وقد نقل ابن المنذر الإجماع في ذلك فقال: وأجمعوا على أنه إذا وهب المسلم للذمي أو وهب الذمي للمسلم (ما يجوز أن يملكه المسلم(، وقبض ذلك الموهوب، وكان الفيء مقداراً معلوماً، أن ذلك جائز(73).

ويقبل التبرع من غير المسلم رجلاً كان أو امرأة، فقد جاء في كتاب أحكام أهل الذمة: فإن بذلت المرأة الجزية(74) أخبرت أنه لا جزية عليها، فإن قالت: أنا أتبرع بها قبل منها ولم تكن جزية ولو شرطته على نفسها، ولها الرجوع متى شاءت، وإن بذلت لتصير إلى دار الإسلام، لا تسترق، ومكنت من ذلك بغير شيء، ولكن يشترط عليها التزام أحكام الإسلام، وتعقد لها الذمة ولا يأخذ منها شيء، إلا أن تتبرع به بعد معرفتها أنه لا شيء عليها(75).

ومما ينتظم في سلك هذا العقد قولهم: ولو وقف نصراني أرضه على الرهبان الذين في بيعة كذا أو على القائمين بها كان ذلك الوقف باطلاً، بخلاف ما لو وقفها على فقراء بيعة كذا أو مرضاها أو جرحاها، فإنه يجوز لكونه قصد الصدقة، فانقلاب مآل التصرف من الوقف إلى الصدقة غيره من الحرمة إلى الجواز، ولذلك قالوا :ولا يصرف منه على الرهبان والقائمين على البيعة(76)، وقال محمد بن الحسن: ولو كفل رجل من أهل الذمة بنفس مسلم أو بمال عليه كان جائزاً. وكذلك المسلم يكفل بنفس ذمي أو بمال على واحد منهم فهو جائز(77).

جاء في كتاب الجامع لمسائل الإمام أحمد، باب: المسلم يتصدق من أهل الذمة أو يصدق عليهم: أخبرني محمد بن علي، قال: حَدَّثَنَا مهنا، قَالَ: قلت لأبي عبدالله: يأخذ المسلم من نصراني من صدقته شيئاً؟ قال: نعم، إذا كان محتاجاً، وجاء في نفس الباب: أخبرنا عبدالله، قال: سألت عن المرأة الفقيرة، تجيء إلى اليهودي والنصراني، فتصدق منه، قال: أخشى أن يكون ذلك ذلة(78). فانظر كيف أعمل الإمام أحمد الأصلين معاً كل في مسلكه وحسب ما يقتضيه المآل.

ومن أبواب البر الواسعة والدائمة العطاء: الوقف، والأصل في الوقف من غير المسلمين على مصالح المسلمين؛ ينظر فيه إلى الموقوف والجهة الموقوف عليها؛ فإذا كان من باب المعصية فهو باطل باتفاق الفقهاء، كالوقف على قطاع الطرق والفسقة وغيرهم مما لا يقر في ديننا من المعاصي والآثام(79)، ومما يدخل في هذا الباب الوقف على الجماعات والمنظمات المعادية للدين، أو التي تعمل على تفريق وحدة المسلمين، أو التي تدعو إلى الخروج على سلطان ولي الأمر المقيم للدين؛ وذلك لما فيها من الإعانة على الإثم والعدوان، وإشاعة الفتنة والتحريض على المنكر الذي نهينا عنه صراحة.

أما إن كان الوقف على جهات البر وعمل الخير، كالوقف على الفقراء والمساكين، وعابري السبيل، ودور الأيتام والعجزة وإصلاح الجسور والطرقات ومجاري العيون، وتسبيل الماء، وبناء المستشفيات وغيرها من المنشآت ذات الطابع الاجتماعي، فهو جائز باتفاق المذاهب الأربعة في المعتمد من أقوالهم(80).

أما إن كان الوقف على ما هو من القربات، وسبل العبادات والطاعات المشروعة في ديننا، كالوقف على المساجد والأربطة والحجاج والمعتمرين، فالفقهاء فيه على قولين: فذهب الحنفية(81) والمالكية(82) وبعض الشافعية(83) من أن وقفه لا يصح. وعلل بعضهم ذلك بأن أموال غير المسلمين أبعد ما تكون عن الكسب الطيب الحلال،

وما كان كذلك فلا ينبغي صرفه إلى قربات المسلمين(84)، وبناء عليه فقد رد مالك دينارَ نصرانية عليها حين بعثت به إلى الكعبة، وعللوا ذلك ببطلان القربة الدينية من الكافر(85)، ومنها لو جعل الذمي داره مسجداً للمسلمين أو أوصى بأن يحج عنه يكون الوقف باطلاً لكونه ليس مما يتقرب به أهل الذمة إلى الله تعالى(86).

وذهب الشافعية(87) والحنابلة(88) إلى أن وقفه صحيح؛ وحجتهم في ذلك أن الوقف من الذمي صحيح ابتداءً، لصحة عبارته وولايته على ماله، وصرف الوقف إلى مصالح المسلمين الخاصة من مساجد وغيرها يتفق مع أحكام الشرع ظاهراً، فيصح عندهم وقف الكافر على المسجد؛ لأنه قربة في نظر الإسلام، ولا يصح وقفه على كنيسة أو بيت نار ونحوهما؛ لأنه ليس قربة في نظر الإسلام(89) وجاء في كفاية الأخيار: ويجوز للمسلم والذِّمي الوصية لعمارة المسجد الأقصى وغيره من المساجد(90).

جمهور‭ ‬الفقهاء‭ ‬ذهبوا‭ ‬إلى‭ ‬جواز‭ ‬قبول‭ ‬هدية‭ ‬وهبة‭ ‬وتبرع‭ ‬غير‭ ‬المسلم‭ ‬سواء‭ ‬أكان‭ ‬كتابياً‭ ‬أم‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬ملة‭ ‬كانت‭ ‬تأليفاً‭ ‬وترغيباً‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬الإسلام

وعلى هذا الرأي سارت اللجنة الدائمة للإفتاء بهيئة كبار العلماء ببلاد الحرمين، كما هو واضح من الإجابات على الأسئلة التي ترد إليها ومنها:

السؤال الأول: نحن جماعة مسجد عمر بفرنسا بمدينة (ليه) عمدة المدينة تبرع لنا بقطعة أرض، وبنى لنا مسجداً على حساب البلدية، وتم بناؤه عام 1975م، ومنذ ذلك التاريخ نصلي في المسجد، ولكن الآن بعض الإخوان يقولون: لا تجوز الصلاة في هذا المسجد؛ لأن بناءه تم من أموال نصرانية، وتركوا الصلاة في هذا المسجد، وعملوا مصلى خاص بهم، أفتونا وجزاكم الله عنا خير الجزاء عن حكم هذا المسجد؟

الجواب: لا بأس في الصلاة في المسجد المذكور؛ لأن بناءه من قبل الجهة الحكومية قيام بحق من حقوق الرعية عليها، فلا وجه لاعتزال المذكورين عن المسجد، والتعليل الذي عللوا به غير صالح(91).

السؤال الثاني: مدينة كيناميو) تبعد عن نيروبي 25 كم)، ومع الأسف الشديد لا يوجد فيها مسجد ولا مدرسة، وأننا مع عدم وجود الإمكانية عزمنا متوكلين على الله على بنائهما، هل يجوز إنفاق المبالغ التي تجمع من غير المسلمين في بناء المسجد والمدرسة؟ أفيدونا بارك الله فيكم بأجوبة على هذا السؤال على ضوء الكتاب والسنة، وعمل سلف هذه الأمة، جزاكم الله عنا وعن المسلمين خير الجزاء.

الجواب: يجوز للمسلمين أن يمكنوا غير المسلمين من الإنفاق على المشاريع الإسلامية؛ كالمساجد والمدارس إذا كان لا يترتب على ذلك ضرر على المسلمين أكثر من المنفعة(92).

ومما يندرج في هذا الباب وصايا غير المسلمين للمسلمين، وهي جائزة في الجملة اتفاقاً، وقد نقل ابن المنذر الإجماع على ذلك فقال: وأجمع كل من :نحفظ عنه من أهل العلم أن وصية الذمي للمسلم مما يجوز أن يملكه جائزة(93)، قال سحنون قلت لابن القاسم: أرأيت إن أوصى ذمي إلى مسلم، قال: قال مالك: إن لم يكن في تركته الخمر أو الخنزير أو خاف أن يلزم بالجزية فلا بأس بذلك(94)، وقال محمد بن الحسن الشيباني: وإذا أوصى الذمي للمسلم بوصية فهي جائزة. وكذلك إذا أوصى المسلم للذمي فهي جائزة(95).

يجوز‭ ‬للمسلمين‭ ‬أن‭ ‬يمكنوا‭ ‬غير‭ ‬المسلمين‭ ‬من‭ ‬الإنفاق‭ ‬على‭ ‬المشاريع‭ ‬الإسلامية‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬لا‭ ‬يترتب‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬ضرر‭ ‬على‭ ‬المسلمين‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬المنفعة

وقد لخص الدكتور وهبة الزحيلي – رحمه الله – أقوال فقهاء المذاهب تلخيصاً جيداً في ثلاث عناصر رئيسة:

1- إذا كان الموصى به أمراً هو قربة في شريعتنا وشريعته، كالصدقة على فقراء المسلمين أو فقراء الذميين أو بعمارة المسجد الأقصى، أو ببناء مدرسة أو مشفى ونحو ذلك، جازت الوصية اتفاقاً؛ لأن هذا مما يتقرب به المسلمون وأهل الذمة على حد سواء.

2- إذا كان الموصى به شيئاً هو قربة عندنا، وليس بقربة عنده، كأن أوصى ببناء مسجد للمسلمين أو بأن يحج عنه، فهذه وصية باطلة باتفاق الحنفية؛ لأنه لا يعتقد حقاً بكون الموصى به قربة إلى الله تعالى.

3- إذا كان الموصى به قربة عنده، لا عندنا، كأن أوصى ببناء كنيسة أو معبد، أو بالذبح لعيد في ملته، فالوصية صحيحة عند أبي حنيفة؛ لأن المعتبر في وصيته ما هو قربة عنده في عقيدته، لذا بطلت وصيته لبناء مسجد؛ لأنها ليست قربة عنده. وهذا هو الراجح.

وقال الصاحبان: هي وصية باطلة؛ لأنها وصية في شريعتنا بما هو معصية، والوصية بالمعاصي لا تصح.

وقال الأئمة الآخرون بقول الصاحبين: تبطل الوصية بمعصية (وهي ما ليس بقربة) ولو من ذمي؛ لأنها إعانة على المعصية(96).

 

الهوامش
(20) الطبري: تفسير الطبري 23/323.
(21) المرجع السابق.
(22) الشوكاني: فتح القدير 5/213. انظر: إسماعيل حقي، تفسير روح البيان 9/408.
(23) ابن الجوزي: زاد المسير 8/237. الرازي: تفسير مفاتيح الغيب 29/521.
(24) الرازي: المرجع السابق. انظر: الزمخشري، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل 4/516.
(25) أخرجه الإمام أحمد في مسنده: حديث رقم 16156: 4/4، وعلق الشيخ شعيب الأرنؤوط على الحديث فقال: إسناده ضعيف لضعف مصعب بن ثابت، وهو ابن عبدالله بن الزبير وبقية رجاله ثقات رجال الشيخين.
(26) صحيح البخاري: كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها، باب قبول الهدية من المشركين.
(27) انظر: سنن الترمذي: أبواب السير، باب ما جاء في قبول هدايا المشركين.
(28) انظر :سنن أبو داود، كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب في الإمام يقبل هدايا المشركين.
(29) الذي أهدى للرسول صلى الله عليه وسلم، هو أكيدر دومة، كما جاء في صحيح البخاري في نفس الباب وتعليقاً على نفس الحديث.
(30) صحيح البخاري: كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها: باب قبول الهدية من المشركين، حديث رقم 2422. صحيح مسلم: كتاب: فضائل الصحابة رضي الله عنهم، باب: من فضائل سعد بن معاذ رضي الله عنه، حديث رقم 4492.
(31) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب اللباس والزينة، باب: تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء، وخاتم الذهب والحرير على الرجل، وإباحته للنساء، وإباحة العلم ونحوه للرجل ما لم يزد على أربع أصابع، حديث رقم 2071.
(32) صحيح البخاري: كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها: باب: قبول الهدية من المشركين، حديث رقم 24.
(33) أخرجه أبو داود، كتاب: الخراج والإمارة والفيء، باب: في الإمام يقبل هدايا المشركين، الحديث رقم 3055، وقال الشيخ الألباني في صحيح أبي داود: إسناده صحيح. نص الحديث: عن زيد أنه سمع أبا سالم قال: حدثني عبدالله الهوزني قال: لقيت بلالاً مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بحلب فقلت: يا بلال حدثني كيف كانت نفقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ما كان له شيء كنت أنا الذي ألي ذلك منه منذ بعثه الله إلى أن توفي، وكان إذا أتاه الإنسان مسلماً فرآه عارياً يأمرني فأنطلق فأستقرض فأشتري له البردة فأكسوه وأطعمه حتى اعترضني رجل من المشركين، فقال: يا بلال إن عندي سعة فلا تستقرض من أحد إلا مني ففعلت فلما أن كان ذات يوم توضأت ثم قمت لأؤذن بالصلاة فإذا المشرك قد أقبل في عصابة من التجار، فلما أن رآني قال: يا حبشي، قلت: يا لباه، فتجهمني، وقال لي قولاً غليظاً، وقال لي: أتدري كم بينك وبين الشهر، قال قلت: قريب، قال: إن بينك وبينه أربع فآخذك بالذي عليك فأردك ترعى الغنم كما كنت قبل ذلك، فأخذ في نفسي ما يأخذ في أنفس الناس، حتى إذا صليت العتمة رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله فاستأذنت عليه، فأذن لي، فقلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي إن المشرك الذي كنت أتدين منه قال لي كذا وكذا، وليس عندك ما تقضي عني ولا عندي، وهو فاضحي، فأذن لي أن آبق إلى بعض هؤلاء الأحياء الذين قد أسلموا حتى يرزق الله رسوله صلى الله عليه وسلم ما يقضي عني، فخرجت حتى إذا أتيت منزلي فجعلت سيفي وجرابي ونعلي ومجني عند رأسي، حتى إذا انشق عمود الصبح الأول أردت أن أنطلق فإذا إنسان يسعى يدعو يا بلال أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلقت حتى أتيته، فإذا أربع ركائب مناخات عليهن أحمالهن، فاستأذنت، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبشر فقد جاءك الله بقضائك، ثم قال: «ألم تر الركائب المناخات الأربع؟» فقلت: بلى، فقال: «إن لك رقابهن، وما عليهن فإن عليهن كسوة وطعاماً أهداهن إلي عظيم فدك فاقبضهن واقض دينك»، ففعلت، فذكر الحديث، ثم انطلقت إلى المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد في المسجد فسلمت عليه، فقال: «ما فعل ما قبلك» قلت: قد قضى الله كل شيء كان على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يبق شيء، قال: «أفضل شيء؟» قلت: نعم، قال: «أنظر أن تريحني منه فإني لست بداخل على أحد من أهلي حتى تريحني منه». فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العتمة دعاني، فقال: «ما فعل الذي قبلك؟»، قال قلت: هو معي لم يأتنا أحد، فبات رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد وقص الحديث، حتى إذا صلى العتمة -يعني من الغد- دعاني قال: «ما فعل الذي قبلك؟»، قال قلت: قد أراحك الله منه يا رسول الله، فكبر وحمد الله شفقاً من أن يدركه الموت وعنده ذلك، ثم اتبعته، حتى إذا جاء أزواجه فسلم على امرأة حتى أتى مبيته، فهذا الذي سألتني عنه.
(34) صحيح البخاري: كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها: باب، قبول الهدية من المشركين، حديث رقم 2618. صحيح مسلم: كتاب: الأشربة، باب: إكرام الضيف وفضل إيثاره، الحديث رقم 2056.
(35) ابن حجر، فتح الباري 5/232.
(36) طرح التثريب في شرح التقريب، الحافظ العراقي 4/40.
(37) سنن الترمذي: أبواب السير، باب: ما جاء في قبول هدايا المشركين، حديث رقم 1576، وقال: هذا حديث حسن غريب.
(38) أخرجه الإمام مسلم: كتاب، الجهاد والسير، باب: في غزوة حنين، حديث رقم 1775.
(39) مصنف ابن أبي شيبة: كتاب العقيقة، طعام المجوس، الأثر رقم 4423 (8/78)، انظر: ابن القيم، أحكام أهل الذمة 1/253.
(40) مصنف ابن أبي شيبة: كتاب العقيقة، طعام المجوس، الأثر رقم 4424 (8/88).
(41) ابن المنذر: الإجماع 155.
(42) ابن المنذر: الإجماع 102.
(43) الطبري: جامع البيان 23/323 – انظر: الرازي: تفسير مفاتيح الغيب 29/521.
(44) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 18/59.
(45) المرجع السابق.
(46) (عن زبد المشركين) بفتح الزاي وسكون الباء الموحدة وفي آخره دال مهملة، وهو الرفد والعطاء.
(47) سنن الترمذي: أبواب السر، باب: في كراهية هدايا المشركين، حديث رقم 157(3/192)، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. سنن أبي داود: كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب: في الإمام يقبل هدايا المشركين، حديث رقم 3057، قال الألباني: حديث حسن صحيح، انظر: التعليقات الرضية 2/524، وقال الشوكاني: الحديث صححه أيضاً ابن خزيمة، انظر: نيل الأوطار6/8.
(48) سنن الترمذي 3/192.
(49) عون المعبود 7/41.
(50) إعلام الموقعين 4/254.
(51) صحيح البخاري: كتاب: الهبة وفضلها والتحريض عليها، باب قبول الهدية من المشركين.
(52) انظر: سنن الترمذي، أبواب السير، باب» ما جاء في قبول هدايا المشركين».
(53) انظر: سنن أبو داود: كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب» في الإمام يقبل هدايا المشركين».
(54) ابن حجر: فتح الباري 5/232. الشوكاني: نيل الأوطار 6/8.
(55) سمي ملاعب الأسنة يوم سوبان وهو يوم كانت فيه وقيعة فى أيام العرب بين قيس وتميم، وقد فر عنه أخوه يومئذ فقال شاعر: فررت وأسلمت ابن أمك عامراً.. يلاعب أطراف الوشيج المزعزع، الروض الأنف، ج2، ص147.
(56) المغازي، الواقدي 1/346. قال الشوكاني: قال في الفتح رجاله ثقات إلا أنه مرسل وقد وصله بعضهم ولا يصح ؛ نيل الأوطار 6/8، انظر: تحفة الأحوذي 5/166.
(57) سبق تخريجه.
(58) المحلى 8/122.
(59) العيني: عمدة القاري 9/436.
(60) سبق تخريجه.
(61) تحفة الأحوذي 5/166.
(62) ابن حجر: فتح الباري 5/231، الشوكاني: نيل الأوطار 6/8، المباركفوري: تحفة الأحوذي 5/166.
(63) ابن حجر: المرجع السابق.
(64) ابن حجر: المرجع السابق، الشوكاني: نيل الأوطار 6/8، المباركفوري: تحفة الأحوذي 5/166.
(65) ابن حجر، المرجع السابق.
(66) عون المعبود 7/41.
(67) إعلام الموقعين 4/254.
(68) ابن حجر: فتح الباري 5/231، الشوكاني: نيل الأوطار 6/8، المباركفوري: تحفة الأحوذي 5/166.
(69) تحفة الأحوذي 5/167.
(70) ابن حجر: فتح الباري 5/231، الشوكاني: نيل الأوطار 6/8، المباركفوري: تحفة الأحوذي 5/166.
(71) سبق تخريجه.
(72) انظر: ابن حزم، المحلى 8/121. ابن تيمية: اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم 2/51، 52. السعدي: النتف في الفتاوى 1/521. الخرشي: شرح مختصر خليل 7/80، الأنصاري: أسنى المطالب 1/575.
(73) ابن المنذر: الإجماع 155.
(74) وهي مأخوذة من اسمها، ومشتقة من رسمها، وهي من الجزاء؛ لأنها جزاء على تأمينهم في بلادهم، وللذب عنهم، وعن حريمهم، والافتيات عليهم، وأن يكون لهم من الحرمة في حريمهم، وأموالهم مثل ما يكون للمسلمين؛ الرجراجي: مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها 2/275.
(75) ابن القيم: أحكام أهل الذمة 1/156.
(76) انظر: الإسعاف في أحكام الأوقاف 141. الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته 10/7649.
(77) محمد بن الحسن الشيباني، كتاب الأصل 10/419.
(78) الجامع لمسائل الإمام أحمد بن حنبل 61.
(79) انظر: ابن عابدين، الدر المختار 4/341. الحطاب: مواهب الجليل 6/23. الشربيني: مغني المحتاج 3/53. ابن قدامة: المغني 5/377. الإسعاف في أحكام الأوقاف 141.
(80) انظر: ابن نجيم، البحر الرائق 5/204، نظام الدين البلخي ولجنة العلماء: الفتاوى الهندية 2/353، الخرشي: شرح مختصر خليل 7/82. الدسوقي: حاشية على الشرح الكبير 4/78. الشربيني: مغني المحتاج 3/523. البهوتي: كشاف القناع 4/245. ابن قدامة: المغني 5/377. الإسعاف في أحكام الأوقاف 141.
(81) انظر: ابن الهمام، فتح القدير 6/201. ابن نجيم: البحر الرائق 5/204. ابن عابدين: تنقيح الفتاوى الحامدية 1/117.
(82) انظر: الخرشي، شرح مختصر خليل 7/82. الدسوقي: حاشية على الشرح الكبير 4/78، الباجي: المنتقى شرح الموطأ 6/123.
(83) انظر: الشربيني، مغني المحتاج 3/523.
(84) انظر: الباجي، المنتقى في شرح الموطأ 6/123.
(85) الدردير: الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 4/87.
(86) انظر: الطرابلسي، الإسعاف في أحكام الأوقاف 141.
(87) انظر: الشربيني، مغني المحتاج3/523. الهيتمي: تحفة المحتاج 6/236.
(88) انظر: ابن مفلح، الفروع 6/278. البهوتي: كشاف القناع 4/246.
(89) وهبة الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته 10/7649.
(90) تقي الدين الشافعي: كفاية الأخيار 2/3.
(91) ا فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (5/255)تحت رقم 20112.
(92) المرجع السابق (5/256) برقم 21334.
(93) ابن المنذر: الإجماع 102.
(94) سحنون: المدونة 4/334. انظر: الحاوي الكبير 8/846. الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته 10/7474.
(95) محمد بن الحسن الشيباني: الأصل 5/541.
(96) وهبة الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته 10/7475.

 

قسم من مقالة بعنوان : تبرع غير المسلمين في مصالح المسلمين للدكتور: عز الدين بن زغيبة؛ رئيس قسم الدراسات والنشر والشؤون الخارجية

المصدر: موقع الاقتصاد الاسلامي

عن سيد محمود عربی

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Real Time Web Analytics