الرئيسية / الضبط / 22 تقرير خبري خاص / إتجاهات التكفير في التراث الديني.. إستحقاق الهوية الدينية (2)
الصفار

إتجاهات التكفير في التراث الديني.. إستحقاق الهوية الدينية (2)

الشيخ حسن الصفار : ان الأمة الإسلامية تقف اليوم أمام معضلة كبيرة مع تيارات الممانعة لتنقية التراث الديني التكفيري. وأن هذا التراث التكفيري بات في متناول الجميع بعد أن كان حكرا على المتخصصين.

خاص الإجتهاد:

  • ان الأمة انشغلت ببعضها ضمن جدل عقيم على مدى قرون طويلة ابعدها عن الحضارة وتطوير الحياة، واوصلها إلى هذه الحالة المتردية من الاحتراب وسفك الدماء وسوء السمعة.
  • الجماعات الاسلام السياسي المتطرفة امتداد لخط تكفيري قديم في الأمة مع انتقالها من النشاط الدعوي إلى العنف السياسي ردا على قمع السلطات في بعض الأقطار.
  • إذا لم يجرِ غربلة التراث الديني فسنكون على موعد مع ظهور تيارات تكفيرية جديدة في كل زمن.
  • ان الأمة تقف اليوم أمام معضلة كبيرة مع تيارات الممانعة لتنقية التراث الديني التكفيري. وأن هذا التراث التكفيري بات في متناول الجميع بعد أن كان حكرا على المتخصصين.
  • إن الخوارج هم أول فرقة تكفيرية انشقت على الأمة في وقت مبكر وخرجت على خليفة المسلمين الإمام علي وحاربته على خلفية شبهات عقدية تورطوا فيها.
  • ان الأصل بقاء المسلم على اسلامه حتى يقوم الدليل على خلاف ذلك بان يعلن الكفر بقول صريح لا يقبل التأويل.

كان الحديث في المحور الأول من موضوع إتجاهات التكفير في التراث الديني وتعريف التكفير  وما يترتب عليه من آثار

أما المحور الثاني:

إستحقاق الهوية الدينية

طبعاً المتداول بین الألسن الهَویّة وهو خطاء، الهَویّة هو المکان الذی یهوی الانسان فیه. یهوی الشیء فیه؛ یعنی البئر العمیق التی یهوی فیه الانسان. یقال هویة. بینما تبیّن حقیقت الشئ والاجابة علی سوال ما هو به، هذا یقال لها هُویة، یعنی بضم الهاء وکسر الواو.

متی یستحق الانسان الهویّة الدینية، یعنی یکون مسلم یحُکم باسلامه؟

ذکر الفقهاء أن هناک ثلاثة طرق یحُکم من خلالها باسلام أي شخص:
1. النص
2. التبعیة
3. الدلالة
النص یقصدون به أن یعلن الانسان الشهادتین:” لا اله الا الله محمد رسول الله”. فمن أظهر الشهادتین حُکم بإسلامه بغض النظر عن اعتقاده الباطن.

هل یحتاج أن نتأکد أن في قلبه مؤمن بالشهادتین ام لا؟

بعض الناس ربما یستشکلون حول بعض من یدخلون فی الاسلام. من یقول أنه مؤمن ومعتقد في داخل قلبه؟
نحن لسنا مکلفین بأن نفتّش عما في داخل قلبه، بل لا یصح التجسس علیه بمجرد أن یطلق الشهادتین يصير مسلم ولا یصح للإنسان أن يتجسس علی الأشخاص، فقط صار علیه حُکم المسلم وتقبل منهُ ظاهر قوله ویعتبر مسلم.

لأن اعلان الشهادتین لیس کاشفاً عن الاسلام الواقع بالضرورة، بل لکونه موجداً و محققاً للاسلام الظاهري. و لهذا الآیة الکریمة التی بداءنا بها حدیثنا: و لا تقولوا لمن ألقی الیکم السلام لست مؤمناً.
ذکر المفسرون وکُتب الحدیث في أسباب نزول هذه الآیة أن اسامة ابن یزید في احد المعارک والغزوات واجه کافر فلحقهُ لیقتله، بمجرد أن لحقه وقف الکافر وقال: اشهد أن لا اله الا الله واشهد أن محمد رسول الله (صلى الله علیه وآله وسلام)، أسامة رأى هذا، فاعلن الشهادتین حتی یحمي نفسه من القتل، فهذا لیس مسلم حقیقی ما بال بکلامه وطعنهُ وقتله.

فلّما أخبر النبي “صلى الله علیه و آله”، غضب النبي صلى الله علیه و آله وقال له: قتلتَ رجلاً شهد أن لا اله الا الله واني رسول الله؟! فقال: يا رسول الله إنما قالها تعوذاً من القتل، فقال رسول الله”صلى الله عليه وآله وسلم” : فلا كشفت الغطاء عن قلبه، ولا ما قال بلسانه قبلت، ولا ما كان في نفسه علمت. و في نص آخر: هل لا شققت عن قلبه؟ انت لیس مسؤل عما فی قلبه.

و في روایه أخری أن جماعة من المسلمین أو مجموعة من المقاتلین لحقوا کافراً في إحدى المعارک، فلما أدرکوه قال: السلام علیکم، باعتبار هذه تحیة تفید أن من یطلقها مسلم، لاکنهم لم یبالوا بکلامه فقتلوه و أخذوا غنیمته. فنرلت الآیة الکریمة: و لا تقولوا لمن ألقی الیکم السلام لست مؤمناً.

نحن علینا بالظاهر، مادام قال: أطلق الشهادتین، نعتبرهُ مسلم ونحکم باسلامه. بل لیس فقط اذا لم نعلم ما فی قلبه، حتی لو علمنا انما فی قلبه یخالف ما قالهُ بلسانه و هو ما یطلق علیه مصطلح “منافق” فی الاسلام، فماذا نعمل بخصوص المنافق ؟، هل نحکم باسلامه او لا نحکم ؟ نحکم باسلامه و هذا صریح قرآن الکریم: إذا جاءک المنافقون قالوا نشهد إنک لرسول الله و الله یعلم إنک لرسوله و الله یشهد إن المنافقین لکاذبون.

لکن مع ذلک، المنافقون (کما اتّفقت کل السیّر و الاحادیث و الفقهاء) أن النبی صلى الله علیه و آله تعامل معهم تعامُل المسلمین. مع کل الادوار القذرة التی قام بها المنافقون فی عهد رسول الله صلى الله علیه و آله، الا انه لم یخرجهم من الاسلام و لم یصادر حقاً من حقوقهم المدنّیة.

کانوا یحضرون المساجد ویشارکون بإبداء آراءهم في قضایا الاسلام والمسلمین ویأخذون مستحقاتهم من الغنیمة ومن بیت المال.

هذه بیّنة للمسلمين وهي سماحة الاسلام و استیعاب الاسلام فی مقابل الأفکار المتشددة التکفیریة التی نسمع عنها و نری ممارساتها علی أرض الواقع. هذا الاسلام الذی نقراءه فی حیاة رسول الله صلى الله علیه و آله، أو هولاء التکفیریون المتطرفون المتشددون الذین شوّهوا الاسلام؟

النبي “صلى الله علیه و آله”، أکثر من ذلک ولیس فقط لم یحرم احداً منهم من حقوقه المدنّیه وإنما کان یشملهم باخلاقه، باحسانه، بمداراته. و نکتفی بذکر هذه الحادثة التي ترویها الکتب السیرة النبویة. و هو ” رأُس النفاق ” زعیم التیار المنافقین “عبدالله ابن أبیّ”، هذا الذی يتحدث عنه القرآن: قالوا لإن رجعنا الی المدینة لیخرجن الاعز منها الاذل.

مع ذلک في آخر حیاته مرض، فجاء ولده عبدالله إلی النبي صلى الله علیه و آله و أبوه یجود بنفسه. قال یا رسول الله بأبي انت و امي، انک أن لم تأتي أبي عائداً، کان ذلک عاراً علینا،( اي واحد مرض تذهب لعيادته، اذا لم تأتي لعيادة أبي، هذه عار علينا) فاستجاب رسول الله صلى الله علیه و آله و قام إلی عیادته، فدخل علیه و عنده جمع من المنافقین (هذه الروایة یرویها الواقدی) فقال ابنه عبدالله: یا رسول الله استغفر له. فاستغفر النبي له وقال: الله یغفر له. الصحابة الذين کانوا مع النبی ما تحملوا … یغفر له ! هذا یستاهل أن یغفر له ! فقال عمر ابن الخطاب: الم ینهک الله یا رسول الله؟

فأعرض النبی وسکت عنه. فاعاد علیه عمر. فقال النبي صلى الله علیه و آله: انی خُیّرت فاخترت. إن الله عز و جلّ یقول: استغفر لهم أو لا تستغفر له، ما منعني فانا خُیّرت و قد اخترت أن استغفر له.

قال الواقدي: و مرض عبدالله ابن أبي، فدخل رسول الله صلى الله علیه و آله فی مرضه یعود، فلما کان الیوم الذی مات فیه، دخل علیه (ویذکر قصّه مفصّلة) الی أن یقول: التفت ابن أبي الی رسول الله “صلى الله علیه وآله” قال یا رسول الله هو الموت (الموت أمامه).

فإن متّ، فاحضر غسلي واعطني قمیصک اُکفّن فیه. النبي صلى الله علیه و آله کان علیه قمیص، فنزعه و اعطاه قمیصه، قال: لا یا رسول الله، أرید القمیص الذی یلي جلدک ،(القمیص الداخلي الذي يلي جلدک). النبی “صلى الله علیه وآله” نزع القمیص الداخلي الذي کان علی جلده واعطاه رأس المنافقین عبد الله ابن أبي. هذا هو الاسلام وهذا هو الدین ولیس هذه الحالة المشوههة.

سوال: هذا الدین و هذه الامة التی کان نبیّها صلى الله علیه و اله هکذا ممارستهُ و اخلاقهُ ، ما الذی حل بها؟

لماذا زاد التشدد والتطرّف فی اجواء کثیرة من هذه الامة ؟ نرجع إلی التاریخ و خاصة بعد خمسين سنة من وفاة النبي و في زمن يزيد لنری أن الامة عاشت أزمنة طویلة في ظل الإستبداد و القَمع و هذا هو الذی أورث الأمة هذه الحالة المتشددة.

جاء فی کتاب وسائل الشیعة فی روایة عن الإمام محمد الباقر علیه السلام قال: أن جدّهُ علي لم يکن ینسب أحداً من أهل الحرب الی الشرک و لا الی النفاق و لکن کان یقول إخواننا بقوا علینا.
یفترض فی الایمان أن یکون نابعأ من نفس الانسان فلا یفرض علیه من خارجه. و لذلک فإن دور الانبیاء هو دور التذکیر، هو دور الارشاد، ارشاد الناس، الی أن یستخدموا عقولهم وأن یتجاوزوا الحواجز والحجب حتی یصلوا الی الایمان الصحیح المطلوب. فهم ما جاءوا لیفرضوا علی الناس الایمان و انما جاءوا کما قال علي علیه السلام: ویثیروا “للناس” دفائن العقول.

لکن باعتبار أن الدین هو ایضأ کیان اجتماعی کما سبق الحدیث فلابد من وجود ضوابط للإنتماء الی هذا الکیان و لابد من وجود ترسیم حدود لیتمایز به هذا الکیان عن غیره. و من هنا جاءت شروط الدخول فی الاسلام بمعنى الدخول في هذا الکیان الاجتماعي. اما اصل الایمان لله تعالی و اصل الدخول للاسلام کامرٍ قلبي ، عقدي ، لا یحتاج الی شروط. الانسان اذا اقتنع و امن بالله یکون مؤمناً فی الواقع بالله. لکن الانتماء الی الکیان الاجتماعي یحتاج الی أن یکون هناک ضوابط وحدود لهذا المجتمع فی کیانه الاجتماعي الدیني .

قلنا أن الفقهاء ذکروا أن هناک ثلاث طرق یعترف من خلالها بانتماء الانسان الی الکیان الدیني الاجتماعي

الطریق الاول : النص
أن یعلن الانسان عن دخوله الی هذا الکیان والدین، و هذا یکفی فی اعلان الشهادتین اشهد أن لا اله الا الله و اشهد أن محمد رسول الله “صلى الله علیه و آله”.
هل یشترط شی آخر فی هذا المجال ؟ الجواب: کلا
الفقهاء و العلماء المسلمون اتفقوا علی أن اعلان الشهادتین کاف للاقرار و الاعتراف فی اسلامیة هذا الانسان وانه ضمن هذا المجتمع و ضمن هذا الکیان الدیني الاجتماعي و هذا سبق الحدیث حوله و انه لسنا معنیين بالتأکّد عما فی قلبه. هل هو صحیح معترف بشهادتین ام لا ؟ هذا لیس من شأننا.

بل حتی لو تأکّدنا انه فی داخل قلبه غیر مؤمن بهذا المضمون لکن ذلک لا یمنع من الاقرار باسلامیته. و کیف أن رسول الله “صلى الله علیه و آله” قَبَل المنافقین ضمن المجتمع الاسلامی مع أن القرآن یقول والله یشهد إن المنافقین لکاذبون.
بعض الفقهاء قالوا بنسبه الی الیهود و النصرانی یکفی أن یعلن الشهاده الثانیه ، الشهاده الاولی مایحتاج أن یقولها لماذا ؟ لأن متحققه منهم الیهود و النصاری یؤمنون بالله فمن اجل أن نعترف باسلام ای واحد منهم یکفی أن یشهد أن النبی صل الله و علیه و اله بالرساله و النبوه.

لا توجد لغه خاصه ایضأ یفترض بها ابراز الشهادتین من اراد الاسلام من ای لغه، من ای عرق، من اي قومیة یعبّر عن اسلامه بلغته وبما یؤدّی معنى الشهادتین بل لا توجد صیغة ملزمة لشهادتین فیمکن الاکتفاء بایة صیغة مرادفة فیها اقرار بمضمون الشهادتین، ولا یشترط أن یکون ذلک عن دلیل وبرهان. یعنی الذي یشهد الشهادتین نطالبه ما دلیلک؟ کیف انت آمنت بالتوحید و النبوه؟ لا، لیس مطلوب هذا الامر.

و لا یشطرط أن یتبّرء من دینه السابق، إذا کان عنده دین سابق لانطلب منه أن یعلن البراء من دینه حتی یقبل اسلامه.لان الاقرار بما یقتضی الاسلام یکفي. فاذا تحققت الشهادته(قال الشهادتین) استحق الهویة الاسلامیة ، یعطی الجنسیه حسب التعبیر، و یکون مسلماً له ما للمسلمین و علیه ما علی المسلمین .

غیر الشهادتین هل هناك شی آخر ؟ بعض العلماء قالوا: ایضاً یشترط أن یعلن الایمان بالمعاد و هو الاصل الثالث من اصول الاسلام، و کم یؤکّد القرآن : یؤمنون بالله و رسوله و الیوم الاخر . فلابد أن یعلن، لکن الاکثر قالوا لیس شرطاً ، الایمان بالمعاد لیس مقوّماً اساساً فی دخول الاسلام. نعم لا یصح أن ینکر المعاد بعد أن یعرف ضرورة المعاد و بعد أن یکون انکاره نوعاً من التکذیب للنبي و للرساله فقط و الا فی الاصل لیس مطلوب منه أن یعلن ایمانه بالمعاد.

و الدلیل علی ذلک أن النبی صلى الله علیه و اله ما کان یطلب ممن اسلم علی یداه، و النصوص ایضأ ما کانت تشیر الی هذا الامر. و لا یشترط ایضأ أن یؤمن بتفاصیل عقیده التوحید ، صفات الله الثبوتیه و السلبیة و لا صفات المعتبرة فی النبی صلى الله علیه و اله کل هذا التفاصیل لیست شرطاً حتی نعترف باسلام الانسان و انتمائه الی هذا الکیان.

الطریق الثانی : التبعیة

یعني یستحق الهویة الاسلامیة و الجنسیة بالتبعیة و یقصدون بامرین:
1.التبعیة للابوین
اذا الابوین او احد الابوین اسلم، أولاده محکومون بالاسلام. الولد یتبع أشرف الأبوین واذا اسلم الاب، نحکم علی اولاده، (طبعاً غیر البالغین) نحکم علی اولاده بالاسلام، أو اذا اسلمت الام اولادها ایضأ نحکمهم بالاسلام.
بل ذهب جملة من العلماء من الشافعیة وکذلک من الشیعة، إلی أن اسلام الجدّ وإن علی یستتبع الحکم باسلام الأحفاد الصغار، ولو کان الأب حیاً وهو کافر. نعتبر الصغار مسلمین مادام جدهم اسلم. هذا کله یدل علی تسهیل الاجراءات للانتماء الی هذا الکیان.

کذلک فإن المشهور بین الفقهاء، أن ولد الزناء؛ یعني الذي یولد لا علی نکاح الشرعی، هذا کسائر المسلمین للتبعیة، اذا کان الزانی مسلماً، اذا کان احد الطرفین مسلم وان کان هذا الولد لم یأت عن طریق نکاح شرعي، لکن مادام نطفة من مسلم، محکوم ایضأ بالاسلام.  هذا مشهور ( طبعاً هناك من خالف من الفقهاء).
بل قال الفقهاء لو إرتد الاب المسلم، فی الاصل کان مسلما أو غیر مسلما، فاسلم ثم ارتد هل یؤثر ذلک علی اولاده؟ نسحب جنسیتهم الاسلامیة؟ الفقهاء قالوا : لا، حتی لو ارتد الأب ، الاولاد یبقون علی الحاله السابقة و تستصحب فيهم الحالة السابقة.

2. التبعیة لدار الاسلام
ای واحد فی دار الاسلام، لم تُعرف هویته الدینية، محکوم فی الأصل بأنه مسلم حتی یثبت العکس. مثلاً اللّغیط في دار الاسلام في بلد المسلمین، (طفل لغیط لا نعلم من مسلم ام کافر) مادام فی دار الاسلام، هو محکوم بالاسلام، بل حتی لو کان فی دار الکفار، لکن فیها بعض المسلمین و بعض الفقهاء قالوا ولو کان مسلم واحد محتمل أن یکون هذا اللغیط منه اذا کان محتمل الاستیلاد “حسب تعبیر الفقهاء” فی دار الکفر، فنحکم بأن هذا اللّغیط مسلم، حتی و لو کان هذا البلد کافر، لکن فيه مسلم واحد و فيه احتمال أن هذا اللغيط فيه يكون منها. فإذا كان محتملاً فيُحكم بأن هذا اللغيط منها. يعني دار الإسلام في هذا المجال و هذه المسألة أوسع مما يطلق عليه سوق المسلمين.

کذلک لو وجد میت او قتیل في بلاد المسلمین لکن لا نعلم هذا مسلم، حتی نُجری علیه أحکام الاسلام، أو غیر مسلم تجری علیه احکام الاسلام، نحکم بأنه مسلم ظاهری.

الطریق الثالث: الدلالة بالافعال
یعنی اذا رأینا انسان یقوم بتصرفات المسلمین، مثلا اذا انت سافرت فی بلد آخر غیر مسلم و رأیت واحد یصلی صلاة المسلمین، تحکم بانه مسلم. هو لم یقل لک اني مسلم و لم یعلن الشهادتین أمامک، لکن فعله یدل علی انه مسلم. و لذلک ورد عن رسول الله”صلى الله علیه و آله”: من صلی صلاتنا و توجّه الی قبلتنا و أکل من ذبیحتنا فهو مسلمٌ ، له ما للمسلمین و علیه ما علیهم.
فی ای بلد آخر رأیت واحد یذبح دجاجة او ای شئ لکن متوجّه الی القبلة و یذکر الله، هذا یکفی من اجل أن تستدل او تحکم باسلام هذا الشخص الی اذا ثبت العکس .
هذه کلها تدل علی سعة الاسلام و رحابة صدر الاسلام و أن الانتماء الی المجتمع الاسلامی الدینی ليس فيه تعقید.

المحور الثالث: إتجاهات التکفیر

الاصل بقاء المسلم علی إسلامه، و اي شخص حکمنا باسلامه وحکم باسلامه عبر أحد الطرق الثلاثة السابقة، فهو باق علی اسلامه، و لا یصح لاحد أن یقول بخروجه عن الاسلام، وأن یکفّره. لان التکفیر نسبة أحد من أهل القبلة الی الکفر. حتی یقوم الدلیل علی خلاف ذلک.

متی یصح لنا أن نحکم بکفر شخص؟ القاعدة الأساسية، اذا کان هناک صَدَر منه قول صریحٌ في الکفر یعنی قال: اُشرک بالله. اکفر بالله. خرجت من الاسلام ، لا أؤمن بالنبي صلى الله علیه و آله” نحکم بکفره. أما اذا قال قولا غیر صریح یحتمل أن یقصد الکفر و یحتمل لا یقصد شی آخر، الفقهاء یقولون: لو کان فی کلامه تسعه و تسعین فی المئة احتمال الکفر، و واحد بالمئة فی کلامه یحتمل لا، وانه باق علی الاسلام، نرفض نسبة التسعة و تسعین بالمئة و نبقی ونحکم باسلامه.
انظر کیف سعة الاسلام. حتی نعرف أن هذه الاتجاهات التکفیریة و المتشددة من أین جاءت بهذا الدین؟ مع أن کلام الفقهاء صریح و واضح فی هذا المجال. العلماء یقولون: (هذا النص ذكره أكثر من فقيه) لإن یبقی الفُ کافر أهوَن من أن نحکم علی مسلم بالکفر فیراع دمه. هذا هو التوجه الدیني السلیم الصحیح.

لکن مع الاسف الشدید صارت منافذ أخری وهذه المنافذ فتحت علی الامة ابواب التکفیر. وصارت فيه إتجاهات في داخل الامة. توسّعت و استسهلت توجهات التکفیر، فحصلت هذه المشکله فی وقت مبکر فی تاریخ الامة، مع وضوح النصوص. و مع هذا الکلام للفقهاء، لکن بعض الفقهاء و المسلمین حصلوا علی منافذ اخری من اجل أن یغلقوا هذا التسامح، و من اجل أن یجعلوا الاسلام و کانه افق ضیّق یضیق باهله .

سنتحدث عن اهم هذه الاتجاهات:

اتجاه الاول: اتجاه الخوارج
اول اتجاه کتیار وکحالة جمعیة، (کان فی الامة الاشخاص، هذا یتهم هذا بالکفر والذي یجري بین الصحابة بین المسلمین)، أول تيار هو تیار الخوارج .

من المعروف فی واقعة الصفین، أمیر المؤمنین علي “علیه السلام” حینما کانت الحرب بینه “عليه السلام” و بین معاویة، إستمرت الحرب، و وقع قتلى بعشرات الالوف، بعد ذلک طُرحت مسئله التحکیم، اقترح عمر ابن العاص علی معاویة رفع المصاحف،(في قضية معروف في التاریخ) و طلبوا التحکیم، لماذا نستمر فی القتل و القتال ؟ نحتکم الی کتاب الله.

امیر المؤمنین علي ابن ابي طالب “علیه السلام” في البدایة ما کان موافق علی التحکیم، لانه کان یعرف أن التحکیم إنطلق من خدعة، تحت هذا العنوان کانت المعرکة یوشک أن تحسم لصالح جیش الامام علي علیه السلام، و أن هذه مجرد خدعة، لکن صار تیار في داخل جیش الامام یضغط بتجاه القبول بالتحکیم و حسب المصطلح “وقف إطلاق النار”.

الامام علی علیه السلام یقول فی خطبة له: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَمْ يَزَلْ أَمْرِي مَعَكُمْ عَلَى مَا أُحِبُّ- حَتَّى نَهِكَتْكُمُ الْحَرْبُ، وَ قَدْ وَ اللَّهِ أَخَذَتْ مِنْكُمْ وَ تَرَكَتْ- وَ هِيَ لِعَدُوِّكُمْ أَنْهَكُ . لَقَدْ كُنْتُ أَمْسِ أَمِيراً فَأَصْبَحْتُ الْيَوْمَ مَأْمُوراً، وَ كُنْتُ أَمْسِ نَاهِياً فَأَصْبَحْتُ الْيَوْمَ مَنْهِيّاً- وَ قَدْ أَحْبَبْتُمُ الْبَقَاءَ وَ لَيْسَ لِي أَنْ أَحْمِلَكُمْ عَلَى مَا تَكْرَهُونَ.

فارضیت لقبول التحکیم. الامام علی علیه السلام قَبل التحکیم، لما صار التحکیم، جماعة من الجیش الامام کانوا عُباد و زُهاد و قراء للقرآن، لکن کانوا سطحیّين، کان ینقصهم الوعي و هذه مشکلة الأمة في کل عصر وفي کل زمن.

لما متدیّن لکن تدیّنه سطحي، قشري، لیس لدیه وعي بالواقع، لیس لدیه ادراک بالامور عادة. هذه الفئة المتدیّنة کلما کانت اکثر تشدداً فی دینها أو حسب التعبیر الاحادیث التعمّق فی الدین هذه کانت تخلق الازمات للامة.
النبي صلى الله علیه و آله تنبّاء بوجود مثل هذا المجامیع المتدیّنه تدیّن، سطحیاً، قشریا، حرفیا، یفقد الوعي و العمق.

الحدیث المروي عن ابي سعید الخُدري عن رسول الله “صلى الله علیه و آله” انه قال: يَخْرُجُ فِيكُمْ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلاتَكُمْ مَعَ صَلاتِهِمْ ، وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ ، وَأَعْمَالَكُمْ مَعَ أَعْمَالِهِمْ ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَلا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ 

ابتلی امیر المؤمنین علیه السلام بجماعة من هذا القبیل من هذا الفئة. رفض التحکیم خطا و قبول التحکیم خطأ .

ما هو المطلوب؟ وضعوا شروط. المطلوب أن یعلن الامام علي علیه السلام خطأه و یعلن اعتذاره و أن یعلن انه قد کَفَر و یعود یتوب الی الاسلام ویلغي الاتفاق الذی حصل حتی نقبل. حتی ابن عباس دخل معهم في نقاش، قال لهم: ما الذی نقمتم علی امیر المؤمنین. قالوا : قد کان للمومنین امیرا، فلما حَکّم فی دین الله خرج من الایمان، فليَتُب بعد اقراره بالکفر، نعُد له.

و کتبوا الی الامام علی علیه السلام رساله جاء فیها: اما بعد فإنک لم تغضب لربّک و إنما غضبت لنفسک و إن شهدت علی نفسک بالکفر و استقبلت التوبة، نظرنا فيما بیننا و بینک و إلا فقط نابذناک علی سواء إن الله لا یحب الخائنین.

ففي الأصل، كان الخلاف السياسي على قبول التحكيم، لكن هذا الخلاف صاروا ينظّرون له، ثم بعد ما جاء من فقهائهم، تعمقوا في الموضوع أكثر، وطرحوا مسئلة: أن، هل الإيمان الاعتقاد فقط ؟ ولا يرتبط بالعمل؟ أم أن العمل جزء أساس من الإيمان؟ بمعنى أن الإنسان إذا لم يعمل بأحكام الدين، و إذا إرتكب الذنوب و خالف الدين، هل يكفي الإعتقاد لكي نقول بإيمانه وإسلامه؟

صار ينظّروا إلى أن العمل جزء من الإيمان ومن خالف في مجال عمل أحكام الدين، وإن لم يكن جاهدا لما خالف فيه. هذا يعتبر غير مؤمن. و صار بحث عند المسلمين حول مرتكب الكبيرة، لأن الذنوب قسّم الى الصغائر والكبائر. الذنوب الكبيرة التي جاء عليها وعيد بالنار و الصغائر ما جاء وعيد لكن حرام، لكن لم يرد نص فيه وعيد فيه عليها بالعذاب والنار.

صار الخلاف بين المسلمين. الخوارج هم الذين بدءوا طرح هذا الموضوع. وانقسم المسلمون إلى أقسام.

الخوارج منهم فرقة يطلق عليهم “أزارقه”. ذهبت إلى أن مرتكب المعاصي مشرك، و ليس كافرا فقط. الشرك أشد من الكفر. من غير الفرق بين الصغيرة والكبيرة، حتى لو ارتكب معصية صغيرة، صار مشرك و خرج من الإسلام.

فرقة أخرى من الخوارج و هم “النجدية” ( ليس هم من نجد بل يطلق على اسم فرقة وشخص اسمه نجدة) ذهبت إلى أن المرتكب الكبيرة مشرك و أما الصغائر من ارتكبها، فليس مشركا.

الإباضية ( إخواننا في سلطنة عمان) ذهبوا إلى أن كون إرتكاب الكبيرة كفر، و لا شرك. لكنهم يقولون أن الكفر أعم من كفر الجحود و كفر النعم. فمرتكبها من المؤمنين كافر، لكن كفر النعمة و لا كفر الجحود.

المعتزلة ذهبت إلى أن مرتكب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين، لا مؤمن و لا كافر، بل منزلة بين المنزلتين.

الإمامية (الشيعة) و العشائرة و أهل الحديث و منهم إخواننا السلفيون، متفقون إلى كون مرتكب الكبيرة مؤمن ولكنه فاسق وغير مخلّد في النار. كافر؟ لا، مشرك ؟ لا . خارج من الإسلام ؟ لا ، نقول بأنه مخلد في النار؟ لا . وفيه نقاش وكتب و أبحاث . حتى نعرف أننا لما لم نهتم بعلوم الفضاء والطبيعة والطب والهندسة لأنه كان عندنا شغل أهم منها و نحن مشغولون فيها بهذه المساءل مع الأسف!

امير المؤمنين “عليه السلام” في معرض إحتجاجه على الخوارج الذين كفّروا علياً و من معه. ( أنظر المنطق العقلاني و التسامح) قال لهم: فإن أبيتهم أن تزعموا إلا أني أخطأت وضللت فلم تضللون عامة أمة محمدية بضلالي وتأخذونهم بخطئي وتكفرونهم بذنوبي، سيوفكم على عواتقكم تضعونها مواضع البرء والسقم، وتخلطون من أذنب بمن لم يُذنب، وقد علمتم أن رسول الله “صلى الله عليه وآله” رجم الزاني المحصن، ثم صلى عليه، ثم ورّثه أهله، وقتل القاتل، وورّث ميراثه أهله، وقطع يد السارق وجلد الزاني غير المحصن، ثم قسّم عليهما من الفيء، ونكحا المسلمات. فاخذهم رسول الله عليه السلام بذنوبهم. وأقام حق الله فيهم ولم يمنعهم سهمهم من الاسلام . ولم يخرج أسماءهم من بين أهله.

الإتجاه الثاني

الإتجاه التكفيري السلطوي

الحكام الأمويون والعباسيون من أجل أن يثّبتوا هيبتهم و وضعوا بين الناس الرعب و الخوف من السلطة، بعضهم أظهر نفسهم و كأنهم محام عن الدين، فإذ أحد أظهر قولاً يخالف المشهور أو أتهم بقول يخالف المشهور مما يتبناه الخليفة ومن معه، يحكم الخليفة بكفره و بالتالي يُستباح دمه.

و تاريخنا مليء بهذه الأمور و الحوادث، ومن هذه الحوادث البارزة قصة “الجعد ابن درهم” الذي كان في دمشق واظهر القول بخلق القرآن و أن القرآن مخلوق وحادث وليس قديم ( صراع حول هذه المسئلة و أخذت جهود من الأمة و العلماء).

فتطلبوه بنو أمية، لأنه قال هذا الرأي حول القرأن. لما ذا ؟ لأنهم (بنو أمية) مهتمين بموضوع القرأن و الدين. هرب منهم و سكن الكوفة. في عام 105 هجرية استلم الحكم في دمشق هشام ابن عبد الملك، عين خالد ابن عبدالله والياً على الكوفة فقبض على”جعد ابن درهم”، وفي أول يوم من أيام عيد الأضحى من ذلك العام، خالد بإعتباره الوالي، صلي بالناس صلاة العيد ، خطب خطبة العيد و قال: ايها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم و فإني مضحٍ بالجعد بن درهم. لإنه زعم أن الله لم يتخذ ابراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما ثم نزل فذبحوه عند المنبر.

نقول هذه النماذح حتى نعرف أن هذه الحركات التكفيرية و والتوجهات التشديدية ما جاء من الفراق بل جاء من التراث.

ومن النماذج ،المهدي العباسي جاء في تاريخ الدولة العباسية للشيخ محمد الخضري بك :
و كان المهدي مغرى بالزنادقة الذين يرفع إليه أمرهم ، فكان دائماً يعاقبهم بالقتل، و لذلك كانت هذه التهمة في زمنه وسيلة إلى تشفيِّ من يحبُّ أن يتشفىَّ من عدو أو خصم…
كان كاتب الدنيا و أوحد الناس حذقاً و علماً و خبرة الوزير “أبو عبيد الله معاوية بن يسار” مولى الأشعريين .

حصل حقد عليه من الربيع الحاجب ، فوشى عليه عند المهدي بأن ابنه محمداً متهم في دينه ، فأمر المهدي بإحضاره ( الولد )وقال: يا محمد، اقرأ، فذهب ليقرأ ، فاستعجم عليه القرآن، ولم يقدر على القراءة، فقال المهدي لأبيه الوزير أبي عبيد الله معاوية بن يسار: يا معاوية، ألم تخبرني أن ابنك جامع للقرآن؟ فقال: بلى يا أمير المؤمنين، و لكنه فارقني منذ سنين و في هذه المدة نسي القرآن. فقال المهدي: قم فتقرب إلى الله بدم ابنك. فذهب ليقوم فوقع ولم يقدر يمشي. فقال العباس بن محمد من الحاضرين : يا أمير المؤمنين إن شئت أن تعفي الشيخ ، ففعل، و أمر المهدي بابنه فضرب عنقه.

الإتجاه الثالث : إتجاه التكفير المذهبي و منكر الضرورة

علماء الإسلام يقولون: ليس فقط مسئلة الشهادتين بل عندنا في الإسلام واجبات وعقائد أساسية و من يقول الشهادتين لا بد وأن يؤمن بهذه الضرورات فإذا أنكر ضرورة من ضرورات الدين فهو كافر.

هل عندنا نص إسلامي من القرآن والحديث بهذا المصطلح(ضرورات الدين)؟ ليس عندنا. بل إستوحوها من الآيات والنصوص.

حسنا، ما هي ضرورات الدين؟ مختلف فيها، وخاصة مع إختلاف المذاهب. كل مذهب عنده أشياه يراه من ضرورويات الدين. و مذهب آخر لا يراه من ضرورات الدين.

بل حتى داخل المذهب الواحد. الميرزا القمي صاحب القوانين و هو من العلماء الكبار، عنده كلام في هذا المجال ويقول: أن العلماء اختلفوا في الضروروات، فبعضهم عد أمراً ضرورة من ضرورات الدين و أن الإيمان به من ضرورات الدين و بعضهم اعتبر إنكاره من ضرورات الدين.

و هذا فتح على الأمة باب من التكفير و التكفير المضاد.

نذكر للنموذج:

هناك من الشيعة يقولون بأن من أنكر ولاية أهل البيت وإمامتهم فهو كافر . و من السنة هناك يقولون: من أنكر عدالة الصحابة فهو كافر. وإذا أنكر صحبة ابي بكر الصديق فهو كافر.

طبعا حاول العلماء أن يضعوا له ضوابط بأن منكر الضروري إذا كان ملتفة لضروريته وعرّفوا الضروروي بأنه البديهي الواضح الذي لا يحتاج الى استدلال مثل وجوب الصلاة. اي مسلم يعلم أن الصلاة واجبة و لا يحتاج الاستدلال عليها . فلو أن الانسان أنكر و قال ليست الصلاة واجبة و أنكر ضروروي من ضرويات الدين، حاولوا أن يضعوا ضوابط لكي تحد من الإنزلاق نحو التكفير.لكن الضرورات ايضا تتغير من زمن إلى آخر و من بيئة إلى أخرى .

الإتجاه الرابع : تكفير الجماعات السياسية

بعد سقوط الخلافة العثمانية ووجود تيارات مناوءئة للإسلام في أوساط الشعوب و المجتمعات السلامية والإنبهار الذي حصل بالحضارة الغربية، كونت جماعات عندهم غيرة على الاسلام حركات من أجل الدفاع عن قيم الدين و الدعوة الى التمسك بالدين في مقابل هذا التيار الذي كان جارفا في مناوئة الدين و التيار الإنهزامي من الناحية الدينية.

في البداية هذه الجماعة تعتمد التثقيف والدعوة التوعوية والثقافية، وشيئا فشيئا توجهت الاتجاه السياسي وصارت تقارع السلطات في بلدانها ومناطقها وبدات معارك عنف بين هذه الحركات وبين السلطات. طبعا فيه نقاش أن من الذي بدأ بالعنف؟ كما حصل في مصر مثلا في عهد جمال عبد الناصر، هل هذه الحركات بدأت بالعنف؟ أو أن الدولة المصرية هي التي استخدمت القتل و العنف تجاههم ؟

بدأت هذه الجماعات الإسلامية السياسية مثل جماعة التكفير والهجرة في مصر والقاعدة وطالبان وداعش و جماعات أخرى تدخل في صراع مع الحكومات وصلت الى العنف و المقارعة. هنا بدأت تظهر أفكار، ان هذه الحكومات التي تحارب الناس المتدينين وتمنعهم من الدعوة الى الدين، هل يمكن القول بإسلامها ؟ فهذه الحكومات كافر. بدأو يكفرون الحكومات. والحكومات عندهم أجهزة ودوائر وخاصة الأجهزة الأمنية، هذه الأجهزة التي تعمل في خدمة هذه الحكومات الكافرة في الدول الاسلامية هل نحكم بإسلامها؟ أم أنها كفار؟

بعد هذه القرون الطويلة التي عاشتها الأمة من الإنشغال ببعضها بعضا، و من تكفير بعضها بعضاً بسبب هذه الإتجاهات و بعد أن وصلنا الى ما وصلنا اليه (ماذا صنعوا داعش في سوريا و العراق و ليبيا و نيجيريا والصومال و …. والمشكلة أنها لن تتوقف عند إسم ، قاعدة بعده داعش و…

أما آن للأمة أن تضع حداً لهذه التوجهات ؟ كيف يمكن لنا أن نضع حد ؟

ما هو الحل

اولا: إعادة النظر في التراث الديني. هذا التراث الديني الذي عندنا محمل بهذه السموم. طبعاً تراثنا الديني فيه أشيا عظيمة ورائعة ولا نستغني عنه. لكن علينا أن ننقي هذا التراث ونغربلها. هذه الكتب الحديثية والتاريخية والكلامية و عقيدية و .. التي عندنا الشيعة و السنة وكل المذاهب، نحتاج أن نصفيها ونغربلها وإذا لم نغربلها و تركناها، هذا يشبه أن تفتح مخازن أمام الناس الذين و فيها أدوية و أطعمة ولكن فيها سموم. ما ذا يحدث! هذا يعني أننا نعطي فرصة لاستمرار هذه الحالة المؤلمة في الأمة.

والنقطة الأخرى أن جهود غربلة التراث تواجه ممانعة و العراقيل، طبعاً هذا لا يعني أن كل من أنكر حديثا أو رواية، كلامه صحيح. لا، يمكن أنه يخطأ في كلامه أو يمكن أن يكون الحديث صحيح و ..لكن علينا أن نفتح باب النقاش والمدارسة في الموضوع.

وعندنا مشكلة وهي أن التراث في الماضي كان لا يطلع عليه إلا العلماء والمتخصصون والفقهاء وكان عندهم ضوابط و موازين و معايير، لكن التراث الأن أصبح مفتوحا أمام الجميع

والكل يستطيع أن يطلع عليها واذا لم تغربل ولم تصفى ، ستبقى هذه المنابع تفرخ لنا الإرهابيين و التكفيريين.

الثاني : إعادة النظر في مناهج التعليم الديني في المدارس والجامعات والحوزات. لا بد من إعادة النظر فيها.

كيف تدرس الطالب فيها هذا المنهج الذي فيه حكم على بعض بالشرك و الكفر و الإبتداع؟! مثلا الطالب الذي يدرس في هذه المراكز يدرس درساً فيه هذا شرك ، هذا كفر ، هذا بدعة و .. وفي جنبه زميل من مذهب آخر يمارس هذا العمل ، كيف نقول له لا تحكم عليه بالكفر و الشرك و لا تذهب تفجر مساجدهم و حسينياتهم ؟

إذن لا بد أن نعيد النظر في تراثنا التعليمي حتى الحوزات العلمية الشيعية مثل الكتب الفقهية الكلامية و… التي ألف قبل قرون و قبل مئات..

الثالث: مراجعة الخطاب الديني علينا أن نغربل و نصفي فيه.

 

هذه المحاضرة هي رابع المحاضرات العاشورائية للشيخ حسن الصفار التي أقيمت مساء الأحد ليلة الاثنين ( 4 محرم 1439هـ الموافق 25 سبتمبر 2017م ) في مجلس الحاج سعيد المقابي بالقطيف.

 

عن عربی

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Real Time Web Analytics