خاص الاجتهاد: صدرت حديثاً عن دار “مكث انديشه” للنشر في قم، الطبعة الأولى من كتاب “فقيهي از كربلا” «فقيه من كربلاء؛ الفكر السياسي لآية الله السيد محمد تقي المدرسي»، بإعداد وسعي من الدكتور عبد الوهاب فراتي، في ۲۳۲ صفحة.
ووفقاً للاجتهاد، يُعدّ كتاب «فقيهي از كربلا» باللغة الفارسية دراسةً بحثية في الفكر السياسي لواحدٍ من ألمع الشخصيات المعاصرة في العالم الشيعي، آية الله السيد محمد تقي المدرسي. وهذا الكتاب هو ثمرة شهورٍ من التأمل والحوار والدراسة في المنظومة الفكرية لمرجعٍ تميّز بصوتٍ مستقلٍ ومستنير وسط صخب التحولات السياسية والفكرية التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط.
إنّ ما يُقدّمه هذا الأثر بين أيديكم ليس مجرد مراجعةٍ للآثار المكتوبة أو إعادةِ سردٍ للمواقف السياسية؛ بل هو محاولةٌ للولوج إلى العالم الفكري لمرجعٍ امتدّت مسيرته وتشكّلت ونضجت على مدى ستة عقود، تنقّل فيها من كربلاء المقدسة إلى الكويت وتهران، ثم العودة مجدداً إلى كربلاء.
وقد قطع آية الله المدرسي في هذا المسار الحافل بالتحديات مساراً تطورياً، بدءاً من النظرية والتنظير حول «ولاية الفقيه» في مرحلة الشباب، وصولاً إلى إعادة تعريفها في قالب «نظام المرجعية الدينية» في السنوات الأخيرة؛ مما يعكس فهمه العميق لمقتضيات العصر ومستجداته.
يسعى هذا الكتاب، عبر اعتماد المنهج الهرمينوطيقي وبالاستناد إلى المقاربة القصدية، لا إلى تبيان جوهر الفكر السياسي لآية الله المدرسي فحسب، بل إلى تجسيد الأبعاد والخلفيات التاريخية والفكرية والاجتماعية التي أسهمت في بلورة هذا الفكر.
وقد تناول المؤلف الحديث عن أسرته وسلالته العلمية، وتأثير «مدرسة التفكيك» على رؤيته، ومرافقته لخاله آية الله السيد محمد الشيرازي، وسنوات النضال المحفوفة بالمخاطر ضد نظام البعث، وتجربة الثورة الإسلامية في إيران، فضلاً عن إعادة إعمار وتأهيل حوزة كربلاء العلمية بعد سقوط صدام.
وتتمثل النقطة المحورية الجارية بين صفحات هذا الكتاب في السعي لفتح أفقٍ جديد لفهم العلاقة بين الدين والدولة في عصر الغيبة. إذ يقدّم آية الله المدرسي، برؤيةٍ تجمع بين الأصالة والوفاء للمصادر الوحيانية والاستجابة لمقتضيات العالم الحديث، أنموذجاً للحكم الديني لا تُعدّ فيه ولاية الفقيه إكراهاً أو فرضاً، بل نفوذاً وهداية، ولا سلطةً على الأبدان، بل تأليفاً وجمعاً للقلوب.
ومن جهة أخرى، يقدّم الكتاب روايةً عن حياة وسلوك فقيهٍ لم يعش قط في برجٍ عاجي؛ إذ أسس إلى جانب تدريسه للفقه والأصول مؤسسات إعلامية، وأحيا مدارس علمية، وأطلق نهضةً قرآنية، ونظّم حركةً سياسية، وكان حاضراً باستمرار في قلب التحولات الاجتماعية والسياسية. وهذا البعد العملي لفكره، الذي تجسّد في تأسيس «الحركة الرسالية»، وإطلاق الإذاعات العربية، وإعادة بناء حوزة كربلاء، يدلّ على درايةٍ عميقة بالرسالة الاجتماعية للفقيه.
وإنّ حصيلة هذا البحث — التي تدين بالفضل في المقام الأول للتعاون والحوار المباشر بين الكاتب وآية الله المدرسي شخصياً وتلامذته وأبنائه — تروم تقديم صورةٍ شاملةٍ نسبياً عن نظامٍ فكري يمكن أن يكون هادياً ومرشداً للجيل المعاصر الذي يسعى لفهم الدين وبناء حضارةٍ مدنية جديدة قائمة على تعاليم المذهب.
جدير بالذكر أن حفل الإعلان عن كتاب «فقيه من كربلاء» أُقيم يوم الخميس ۱ تشرين الأول / أكتوبر ۲۰۲۶) في تمام الساعة ۱۰ صباحاً، بقاعة المؤتمرات التابعة لمعهد علوم وثقافة الإسلام للبحوث في قم.
وبالتزامن مع مراسيم الرفع، عُقدت ندوة علمية بحضور جمعٍ من الأساتذة والباحثين والأفاضل والنخب من الحوزة والجامعة، جرت فيها مناقشة الأبعاد العلمية والثقافية والسياسية لفكر آية الله السيد محمد تقي المدرسي ودراستها.
التعرف أكثر على فكر آية الله السيد محمد تقي المدرسي
يواظب آية الله السيد محمد تقي المدرسي منذ سنوات طويلة على تدريس «الخارج» في الفقه والأصول بمدينة كربلاء المقدسة، وقد ترك مؤلفات وآثاراً متعددة في مجالات الفقه والأصول والمعارف الإسلامية والفكر الديني.
ويختص جزءٌ مهم من النشاطات العلمية لآية الله المدرسي بالتدبر في القرآن الكريم وتفسير آياته واستنباط المباني الفكرية والاجتماعية للإسلام. ويُعد تفسيره الممتد في عدة مجلدات «من هدى القرآن» من أبرز مؤلفاته؛ وهو أثرٌ سُعي فيه إلى ربط تعاليم القرآن بمسائل العالم المعاصر ومتطلباته، واستخراج الحلول الحضارية والاجتماعية للإسلام من متن الوحي. وقد أدى هذا الاهتمام الواسع بالقرآن إلى أن يصنّف العديد من الباحثين فكر آية الله المدرسي ضمن التيار «القرآني المحور» في الحوزات العلمية المعاصرة.
وفي المجال الفقهي، حرص آية الله المدرسي على إقامة تواصلٍ فاعل بين التراث الاجتهادي الشيعي والمتطلبات المتغيرة للمجتمعات الإسلامية. وتُظهر مؤلفاته الفقهية، ومنها مجموعة «الوجيز في الفقه الإسلامي» وغيرها من التأليفات الاجتهادية، اهتماماً كبيراً بالمسائل المستحدثة وسعياً لتقديم فقهٍ حيويٍ وكفء في مواجهة تحولات العصر.
وتحتل عناصر «العقل» و«الوحي» و«واقعيات العصر» موقعاً محورياً في أصوله الفكرية، وهو ما أدى إلى تشكيل نهجٍ ديناميكي في الفقه والفكر الإسلامي. وإلى جانب نشاطاته العلمية والحوزوية، سجل آية الله المدرسي حضوراً بارزاً في الساحات الاجتماعية والسياسية للعالم الإسلامي.
فقد أسهم منذ شبابه في مقارعة نظام البعث في العراق، وواصل بعد الهجرة القسرية نشاطاته الثقافية والفكرية والسياسية في بلدانٍ متعددة. وقد تأثرت العديد من الحركات والتيارات الإسلامية طوال العقود الماضية بمؤلفاته ومحاضراته وأفكاره.
وفي المنظومة الفكرية لآية الله المدرسي، لا تنفصل السياسة عن الدين، بل هي أداةٌ لتحقيق العدالة والكرامة الإنسانية وإصلاح المجتمع وصيانة الهوية الإسلامية؛ وهو النهج الذي يشكّل المحور الأساس لكتاب «فقيه من كربلاء».
الاجتهاد موقع فقهي