خاص الاجتهاد: لم يكن حكم الإمام الخميني (قدس سره) بارتداد مؤلف كتاب “الآيات الشيطانية” مجرد رد فعل آني أو موقفي عابر، بل كان إعلاناً عن موقف حضاري في مواجهة سياقٍ يسعى لتطبيع الإساءة للمقدسات الإسلامية تحت غطاء “حرية التعبير”.
لقد كشف هذا الحكم أن حرمة مقام النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) تُعد من الثوابت القطعية والخطوط الحمراء التي لا تقبل المساومة أو المصالحة لدى المسلمين. وهو الأمر الذي يجب أن يدركه اليوم قادة الغرب السياسيون، ولا سيما الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني؛ فالتجرؤ على المقدسات الإسلامية، والقيادة الدينية، والمرجعية، عبر الإساءة أو التهديد أو المجاهرة بالعداء، لن يبقى حبيس الأروقة السياسية أو في إطار النزاعات الإقليمية فحسب، بل سيتسامى ليصبح تکليفاً شرعياً عينياً يقع على عاتق كل مسلم مهما كانت جنسيته.
إخلال بمعادلة القوة الثقافية
في الوقت الذي كان يعاني فيه العالم الإسلامي من حالة “الاستضعاف الإعلامي” وفقدان الصوت المؤثر، جاء حكم الإمام الخميني (قده) التاريخي ليغير موازين القوى ويبرق برسالة جليّة إلى العالم مفادها: إن الاستهانة بالمعتقدات الدينية -حتى وإن لُحِظت في قالب الأدب والفن- لن تمر دون ردٍّ رادع.
يمكن تحليل هذا الحكم في إطار “الفعل الرمزي” ضمن العلاقات الثقافية؛ فهو فعلٌ يتجاوز كونه مجرد فتوى فقهية ليصبح بمنزلة إعلانٍ للحدود الهوياتية وذوداً عن رأس المال الرمزي المتمثل في شخص النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله). ومن هذا المنظور، لم يكن حكم الإمام مجرد استجابة فقهية محضة، بل كان إعادة تعريف لمكانة العالم الإسلامي في ميدان الصراعات الخطابية العالمية.
التداعيات العالمية والاستدامة التاريخية
لم يجد المؤيدون ولا المعارضون سبيلاً لإنكار الأهمية التاريخية لهذا الحدث؛ إذ أذعن الكثير من المحللين في الغرب بأن هذه الواقعة غيّرت الرؤية الكونية تجاه الحساسيات الدينية لدى المسلمين، وأقحمت “مبدأ حرية التعبير” في أتون حوارٍ جادٍ حول تخومها ومقاصدها.
لقد شكّل هذا الحدث تحدياً بنيوياً للقراءة الليبرالية لحرية التعبير؛ إذ برهن حكم الإمام الخميني (قده) على أن حرية التعبير -بوصفها قيمة حداثوية- تصطدم بموانع نظرية وأخلاقية حتمية عند مواجهتها لـ “الأمر المقدّس”. ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبار هذا الحكم منعطفاً تأسيسياً لإعادة النظر في النسبة بين “الإطلاق الليبرالي” في التعبير وبين “الحرمات الدينية” المصونة شرعاً.
التداعيات الدولية وتبلور أدبيات جديدة في دراسات “الدين والإعلام”
أفضت هذه الواقعة إلى تشكيل متنٍ ضخم من الأدبيات الأكاديمية في حقول دراسات الدين، والإعلام، والحقوق، والعلاقات الدولية. وقد أقرّ المحللون -شرقاً وغرباً- بأن هذا الحدث قد نقل مفاهيم “حريّة التعبير”، و”مسؤولية الكاتب”، و”دور الحكومات في إدارة الصراعات الثقافية” إلى مرحلة مفصلية جديدة. وتكمن أهمية هذا الحكم في كونه ارتقى بالنزاع من مستواه السياسي المحض إلى أفقٍ نظري ومعرفي.
إن الذكرى السنوية لهذا الحكم تضعنا أمام تساؤلٍ بنيوي: كيف يمكن إخضاع النظريات الليبرالية حول “العدالة”، و”التعددية”، و”الحقوق الثقافية” للمساءلة والنقد حين تصطدم بـ “حرمة المقدّس”؟ هذا التساؤل لا يزال حياً في الأوساط العلمية، مما يثبت أن قضية “رشدي” ليست مجرد واقعة تاريخية اندثرت، بل هي مسألة نظرية قائمة في فضاء الدراسات الثقافية والفلسفة السياسية الدينية.
منعطف في موازين الاقتدار الثقافي
إن حلول ذكرى صدور الحكم التاريخي للإمام الخميني (قده) بحق سلمان رشدي، ليس مجرد استذكار لواقعة سياسية أو فتوى فقهية فحسب؛ بل هو نقطة تعيين للنسبة القائمة بين “الإيمان الديني”، و”حرمة المقدسات”، و”حرية التعبير”، و”الاقتدار الثقافي” للعالم الإسلامي. لقد صدر هذا الحكم في زمنٍ استشعر فيه المسلمون أن صوتهم مغيّبٌ أمام الهجمات الثقافية والإعلامية؛ فلم يكن نشر كتاب “الآيات الشيطانية” بالنسبة لهم مجرد عمل أدبي، بل كان رمزاً لتيار يسعى لتطبيع استحقار المعتقدات الدينية تحت لافتة حرية التعبير.
تغيير موازين القوى الحضارية
لقد استطاع الإمام الخميني (قده) بصدور هذا الحكم أن يقلب موازين المعادلة القائمة؛ إذ برهن على أن حرمة القادة الإلهيين والرموز الدينية تُعد لدى المسلمين “خطاً أحمر” لا يمكن تجاوزه، ولا يسوغ التغاضي عنه تحت ذريعة التبريرات الأدبية أو المسوغات السياسية.
ومن هذا المنطلق، لم يكن هذا الحكم مجرد انفعال عاطفي عابر، بل كان “بياناً حضارياً” بامتياز؛ وإعلاناً صريحاً بأن العالم الإسلامي لن يقف موقف المتفرج أو يلوذ بالصمت أمام الإساءة الممنهجة للمقدسات.
بقلم: الدكتور السيد مجيد ظهيري
رئيس معهد الإسلام الحضاري بمكتب الإعلام الإسلامي – مشهد المقدسة
الاجتهاد موقع فقهي