خرید فالوور اینستاگرام خرید لایک اینستاگرام قالب صحیفه
الرئيسية / موقع الاجتهاد و جميع المواضيع / جميع الأبحاث والأحداث / حوارات ومذکّرات / 55 مذكرة خاص / جدلية الحكم والسلطة في قاعدة ‘مخالفة العامة’؛ قراءة في منهج آية الله السيستاني
السيد-السيستاني

جدلية الحكم والسلطة في قاعدة ‘مخالفة العامة’؛ قراءة في منهج آية الله السيستاني

خاص الاجتهاد: لطالما نُظر إلى قاعدة “مخالفة العامة” في أصول الفقه بوصفها معياراً تعبدياً جامداً يهدف إلى التمايز المذهبي فحسب، لكن آية الله السيد السيستاني “دام ظله” يقلب هذه الطاولة المنهجية رأساً على عقب. في هذه القراءة التجديدية، تتحول القاعدة من “شعار هوياتي” إلى “أداة عقلائية” واعية تسبر أغوار التاريخ وتفكك بنية السلطة في عصر الخلافة. اكتشف كيف تحول “الفقه الرسمي” وقضاة البلاط إلى مفتاح لغربلة الروايات والوصول إلى “الرشاد” الحقيقي في فهم النص الشرعي.

الأسئلة التي يجيب عنها الباحث حجة الإسلام الدكتور علي إلهي الخراساني في هذه الدراسة: 

1. ما هو التحول المنهجي الذي أحدثه السيد السيستاني في فهم قاعدة “الترجيح بمخالفة العامة” مقارنة بالفهم التقليدي؟

2. لماذا يرى السيد السيستاني أن مفهوم “العامة” في النصوص الروائية ليس مفهوماً متجانساً، وكيف فكك هذا المصطلح تاريخياً؟

3. ما هي العلاقة بين “ديوان المظالم” وبين مصطلح “الحكام” الوارد في مقبولة عمر بن حنظلة حسب رؤية السيد السيستاني؟ 

4. كيف تتحول “التقية” في هذا المنهج من مجرد وسيلة لحفظ النفس إلى “أداة معرفية” لغربلة الروايات وتشخيص الحكم الواقعي؟

5. لماذا اعتبر السيد السيستاني أن مخالفة “القضاة المنصوبين” أولى بالترجيح من مخالفة “فقهاء العامة المستقلين”؟ 

6. هل يقتصر نطاق قاعدة الترجيح على المعاملات والقضاء أم يمتد للعبادات؟ وما هي الشواهد التاريخية التي ساقها النص على ذلك؟ 

7. ما المقصود بقاعدة “الأمر البيّن رشده” في سياق معالجة تعارض الأخبار عند السيد السيستاني؟

 

في أدبيات علم أصول الفقه الإمامي، تُعد قاعدة “الترجيح بمخالفة العامّة” من جملة القواعد التي ظلت مَحلّاً للأخذ والرد، والمناقشة، وإعادة القراءة التخصصية. تبدو هذه القاعدة، في نظرةٍ أولية، بسيطةً بل ومؤطرةً بإطارٍ شعائري؛ ومفادها: أنه كلما وجدنا خبرين متعارضين، قُدِّم الخبرُ المخالف للعامة على الموافق لهم. ولكن، هل المقصد الحقيقي للنصوص الروائية هو هذا الإطلاق السطحي؟ وهل تمثّل “مخالفة العامة” معياراً تعبدياً مستقلاً، أم أنها أمارةٌ طريقية تكشف عن واقعٍ تاريخي وفقهي أكثر عمقاً؟

الجزء الأول: مراجعات منهجية في رحاب قاعدة مشهورة 

تُقدّم قراءة آية الله السيستاني لهذه القاعدة إجابةً مغايرةً وعميقةً في آنٍ واحد؛ وهي قراءةٌ لا تنظر إلى “مخالفة العامّة” بوصفها شعاراً هوياتياً، بل تعتبرها أداةً عقلائية للكشف عن احتمال التقية وتشخيص الحكم الواقعي.

فالمسألة في هذا التصور ليست مجرد مخالفة “الأكثرية” ولا هي من قبيل التقابل المذهبي، بل هي نقدٌ لـ “الفقه الرسمي” المرتبط بمرتكزات السلطة، وعملية “فاصلة واعية” عن الأحكام التي صيغت في سياق الهيمنة السياسية لمنظومة الخلافة.

ويُبيّن آية الله السيستاني في تحليله لروايات هذا الباب ـ ولا سيما “مقبولة عمر بن حنظلة” ـ أن عنوان “العامّة” في هذه النصوص ليس مفهوماً بسيطاً أو متجانساً، بل يشير إلى طيفٍ متداخل من الفئات والطبقات الاجتماعية والفقهية؛ بدءاً من الفقهاء المستقلين، وصولاً إلى القضاة المنصوبين من قِبل السلطة، وحتى الحكام السياسيين أنفسهم. إن عدم الالتفات إلى هذه التمايزات والتراتبيات هو ما أدى إلى استنتاجات خاطئة وتعميمات وإطلاقات غير قابلة للدفاع الفني في قاعدة الترجيح.

إن النقطة المحورية في هذا التحليل تكمن في أن الثقل الأكبر لجهة الترجيح يتوجه نحو مخالفة قضاة العامة وحكامهم، لا مجرد مخالفة فقهائهم البعيدين عن أروقة الحكم. والعلة في ذلك أن هذه الفئة — أي القضاة المنصوبين من قبل السلطة — لم يكونوا يفتقرون إلى الاستقلال السياسي فحسب، بل كانوا في الغالب لا يمتلكون ملكة الاستنباط الفقهي المعمق، فتصدر أحكامهم وفقاً لإملاءات السلاطين ومصالحهم. وفي ظل مناخ كهذا، تتصاعد جهة احتمال التقية في الأخبار الموافقة لهؤلاء تصاعداً كبيراً.

بناءً على ذلك، فإن “مخالفة العامة” في رؤية آية الله السيستاني هي في حقيقتها مخالفةٌ لـ “الفقه القضائي غير الاجتهادي”؛ ذلك الفقه الذي لم يمر عبر قناة الاجتهاد الحر، بل عبر قنوات السلطة السياسية للخلافة. وهذا التصور ينقل قاعدة الترجيح من كونها أصلاً تعبدياً جامداً، ليجعل منها منهجاً عقلائياً حركياً وديناميكياً في نقد الروايات وتقييمها.

وفي هذا الإطار، يتبلور التساؤل الرئيس لهذه المقالة على النحو الآتي: هل يمكن إعادة قراءة قاعدة “الترجيح بمخالفة العامّة” بوصفها نقداً بنيوياً للفقه الحكومي في عصر الأئمة (عليهم السلام)؟ وهل يمكن لهذه القراءة أن تفتح آفاقاً جديدة لفهم العلاقة الجدلية بين الفقه، والسلطة، والتقية؟

جديرٌ بالذكر أن هذا المقال قد استند في صياغته إلى كتاب: (المنهج في علم الأصول، تعارض الأدلة واختلاف الحديث، الجزء الثاني، تقرير أبحاث آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني، بقلم آية الله الشيخ مهدي مرواريد، مؤسسة الاجتهاد للبحوث والدراسات، 1446هـ، الصفحات 83-92).

الجزء الثاني: مقبولة عمر بن حنظلة؛ من حلّ التعارض الروائي إلى نقد فقه السلطة في خطاب الخلافة

تُمثل “مقبولة عمر بن حنظلة” العمود الفقري لمبحث “الترجیح بمخالفة العامّة” في الفقه الإمامي؛ فهي تُعد من أهم النصوص الواردة في باب تعارض الأخبار، ويمكن القول إنها “وثيقة حية” تعكس كيفية مواجهة الأئمة (عليهم السلام) للفقه الرسمي التابع لخطاب السلطة. وفي تحليله للمقبولة، لا يتعامل آية الله السيستاني معها بوصفها مجرد “دستور عمل فني” لحل التعارض، بل يراها مرآةً عاكسة للهيكلية الاجتماعية والقضائية في عصر الصدور.

في متن المقبولة، وبعد أن ينفي الإمام الصادق (عليه السلام) مشروعية الترافع إلى الجهاز القضائي الحكومي، يشرع في بيان موازين الترجيح بين الخبرين المتعارضين (الكافي، ج1، ص67). الميزان الأول هو الموافقة للكتاب والسنة، لكن يليه مباشرةً ميزانٌ آخر: “مخالفة العامة”. هذا الاقتران بين المعيارين هو — في نظر آية الله السيستاني — المفتاح لفهم الرواية فهماً سديداً.

فلو كانت مخالفة العامة معياراً تعبدياً محضاً ومستغنياً عن التحليل، لكان المتوقع طرحه بشكل مطلق ومنفصل. بيد أن المعيار في المقبولة جاء في سياق قياس نسبة الخبر إلى الكتاب والسنة، ثم أخذ يتبلور تدريجياً عبر أسئلة الراوي الدقيقة. هذا البناء التدريجي يكشف عن أن الإمام في مقام تعليم منهج عقلائي للترجيح، وليس في صدد إصدار حكم شعاراتي.

تأتي النقطة الحاسمة حين يسأل الراوي: إذا استنبط كلا الفقيهين الحكم من الكتاب والسنة، وكان أحد الخبرين موافقاً للعامة والآخر مخالفاً لها، فأيهما يُقدّم؟ فيبدو جواب الإمام: «ما خالفَ العامّة ففيه الرشاد» للوهلة الأولى تأكيداً حاسماً على مخالفة العامة لذاتها. إلا أن آية الله السيستاني يؤكد على ضرورة فهم هذه الجملة في سياق “الاستنطاق” والأسئلة والأجوبة ومع مراعاة الواقع الخارجي لعصر الصدور.

ويُبين سماحته أن «الرشاد» هنا ليس تقييماً فئوياً أو طائفياً، بل هو إشارة إلى “قوة احتمال الإصابة للواقع”؛ فمخالفة العامة أمارةٌ على البُعد عن الأجواء التي يحتمل فيها صدور النص تقیةً. وبتعبير آخر، هذه الجملة هي ترجمة فقهية لمحاسبة عقلائية: كلما قلّ احتمال التقية، كان الطريق إلى “الواقع” أقرب.

مَن هم “العامّة”؟ تفكيك مفهومٍ مُبهم

تتمثل إحدى نقاط القوة في تحليل آية الله السيستاني في إصراره على تفكيك مفهوم “العامّة” — الذي يشوبه الإبهام — إلى مكوناته الواقعية. ويرى سماحته أن الخطأ الذي وقعت فيه الكثير من القراءات الشائعة يكمن في اعتبار “العامّة” تياراً متجانساً، في حين أن الواقع التاريخي يثبت عكس ذلك تماماً.

ففي عصر الإمام الصادق (عليه السلام)، كان “العامّة” ينقسمون إلى ثلاث طبقات متمايزة على الأقل:

الفقهاء المستقلون، القضاة المنصوبون من قِبل السلطة، والحكام السياسيون أنفسهم. ولكل مجموعة من هذه المجموعات علاقة مختلفة مع الفقه والسلطة والمجتمع، لذا لا يمكن سحب حكمٍ واحدٍ عليها جميعاً.

الفقهاء المستقلون من العامة: على الرغم من اختلافهم مع أهل البيت (عليهم السلام) في الأسس والنتائج الفقهية، إلا أنهم لم يكونوا يمتلكون أدوات السلطة السياسية؛ فلم تكن فتاواهم ملزمة، ولم تكن مخالفتهم تترتب عليها أثمان أمنية باهظة. ومن هنا، فإن احتمال صدور الحكم تقيةً في مواجهة هذه الفئة كان محدوداً وضيقاً.

القضاة المنصوبون: هؤلاء كانوا في موقعٍ مختلفٍ كلياً؛ فهم لم يكونوا مجرد أدوات تنفيذية للخلافة، بل كانت أحكامهم تمسّ دماء الناس وأموالهم وأعراضهم بشكل مباشر. إن المخالفة العلنية لهذه الأحكام كانت كفيلة بإحداث تداعيات خطيرة على الإمام وشيعته، ومن هنا تبرز التقية بوصفها ضرورة عقلائية.

وفي هذا السياق، يستعرض آية الله السيستاني بالتفصيل تصنيفه الخاص وتوضيحاته حول علاقة الفقهاء بالسلطة. والجدير بالذكر أن سماحته يوظف في هذا التحليل “المنهج التاريخي”؛ وهو منهجٌ يندر وجوده بهذا العمق والتركيز لدى الفقهاء الآخرين.

تتمثل الطائفة الأولى في أولئك الفقهاء الذين لم يتولوا منصباً قضائياً أو حكومياً في تلك الحقبة، أي أواخر عهد الخلافة الأموية وأوائل العصر العباسي. وبالاستناد إلى ما ورد في المصادر الرجالية، فإن عمر بن حنظله كان من أصحاب الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام)، مما يجعل تساؤله ناظراً إلى هذه الحقبة التاريخية تحديداً، وهي الفترة الممتدة من قيام الدولة العباسية سنة 132 هـ حتى شهادة الإمام الصادق (عليه السلام) سنة 148هـ.

ويمكن تلخيص سمات هذه الطبقة في النقاط التالية:

الاستقلال المالي: كان هؤلاء الفقهاء يعتمدون في معايشهم على الكسب الخاص والنشاط التجاري، بعيداً عن مخصصات المناصب الحكومية.

الوضع التنفيذي: لم تكن لديهم صلاحيات تنفيذية، كما افتقروا إلى سلطة الإلزام القانوني (القهر والإجبار) في الوسط الاجتماعي.

الدور العلمي والاجتماعي: رغم عدم امتلاكهم لمناصب رسمية، إلا أن المؤمنين كانوا يرجعون إليهم في الاستفتاءات الشرعية، وأحياناً لفض بعض النزاعات والمشاحنات الجزئية.

طبيعة الدور: كان دورهم يتمحور حول المرجعية العلمية والوجاهة الاجتماعية، ولم يكن دوراً تدبيرياً أو سلطوياً مرتبطاً بجهاز الحكم.

الطائفة الثانية: متصدو منصب القضاء

تنقسم هذه الطائفة بدورها إلى فئتين متمايزتين:

الفئة الأولى: القضاة الرسميون وهم القضاة الذين كانوا يُنصّبون من قِبل السلطة الحاكمة للفصل في الخصومات بين عامة الناس، ويمارسون نشاطهم ضمن السلك القضائي المتعارف عليه؛ وهم من يُشار إليهم عادة بلفظ “القاضي” بمفهومه العام.

الفئة الثانية: متصدو “دیوان المظالم” وهي المؤسسة التي كانت تُمثّل أعلى سلطة قضائية في الدولة. ويوضح “جرجي زيدان” في كتابه (تاريخ التمدن الإسلامي) أن ديوان المظالم كان يشبه إلى حد كبير “محكمة الاستئناف” في عصرنا الراهن، مع فارق جوهري يكمن في سعة صلاحياته التي كانت تتخطى القضاء العادي بمراحل. فإذا ما وُجدت شكوى ضد القضاة، أو العمال (الولاة)، أو الأشراف، أو أبناء الخلفاء، أو شيوخ القبائل، ولم تكن لدى القضاة العاديين القدرة أو الجرأة على النظر فيها، كان ديوان المظالم ينعقد ويتولى “السلطان” بنفسه مهمة التحكيم والفصل.

وبحسب المصادر التاريخية، فإن هذه المؤسسة نشأت في أواخر عهد الخلافة الأموية واستمرت في الدولة العباسية؛ حيث كان “عبد الملك بن مروان” أول من أرسى قواعد هذا المنهج، وتلاه “عمر بن عبد العزيز” الذي تصدى لمظالم الناس بنفسه لفترة من الزمن. ثم شهد هذا النظام انقطاعاً حتى العصر العباسي، حيث جلس على منصة ديوان المظالم خلفاء مثل المهدي والهادي وهارون الرشيد.

الدلالة الروائية: يشير الإمام الصادق (عليه السلام) في الرواية بتعبير دقيق هو “حكّامهم وقضاتهم” إلى هاتين الطبقتين تحديداً:

الحكّام“: إشارة إلى السلاطين والخلفاء أنفسهم (باعتبارهم قمة الهرم في ديوان المظالم).

القضاة“: وهم الفقهاء الذين عيّنتهم السلطة للقيام بمهام القضاء الرسمي.

المكانة الاجتماعية للقضاة ونفور الفقهاء من منصة القضاء

كانت هذه الفئة —أي “قضاة السلطة”— مَحلاً للطعن والريب لدى قطاع عريض من المجتمع، ولا سيما في أوساط الفقهاء؛ إذ كان تصدي المرء لمنصب القضاء غالباً ما يثير حفيظة الفقهاء ويورث الضغينة بينهم، نظراً لافتقار القضاة للاستقلال في أحكامهم، واضطرارهم للنزول عند رغبات السلطة وأوامرها. ومن هنا، تورّع أكابر فقهاء العامة عن قبول هذا المنصب وتجنبوا الانخراط فيه.

يُعد أبو حنيفة النعمان نموذجاً جلياً في هذا الصدد؛ فقد حاول المنصور العباسي مراراً تنصيبه “قاضياً للقضاة”، إلا أنه كان يأبى ذلك بشدة، وهو ما فصّل فيه الشيخ “أبو زهرة” في كتابه (الإمام أبو حنيفة).

حادثة “وهب بن وهب” وسلب الأمان وفي كتاب (مقاتل الطالبيين)، نجد رواية تكشف طبيعة العلاقة بين الفقيه والسلطان؛ حيث أصدر محمد بن الحسن الشيباني (قاضي القضاة) أماناً لأحد العلويين وهو “يحيى بن عبد الله”. بيد أن هارون الرشيد سعى لنقض هذا الأمان تمهيداً لقتل يحيى، فجمع الفقهاء والقضاة لاستصدار فتوى تُجيز له ذلك.

حضر المجلس محمد بن الحسن (تلميذ أبي حنيفة) والحسن بن زياد اللؤلؤي وآخرون.

بينما صرّح البعض بصوت خافت بصحة الأمان، برز أبو البختري (وهب بن وهب) ليعلن صراحة بطلان الأمان ونقضه.

كانت النتيجة أن أغدق الرشيدُ العطايا على وهب بن وهب، وصرف الآخرين، ومنع محمد بن الحسن من الإفتاء لفترة طويلة.

توضح هذه الحادثة كيف كان القضاة رهن العزل والتعيين؛ فكل من لا تتماشى أحكامه مع أهواء السلطة يواجه التضييق أو العقوبة، مما خلق تعارضاً بنيوياً بين الفقيه الورع والقاضي المنصوب.

كان ابن أبي ليلى قاضياً للكوفة، وهي المدينة التي مثّلت مركزاً ثقلاً للشيعة، وموطناً لأمثال عمر بن حنظلة. وفي ظل هذه الأجواء، كان الشيعة يرفعون تساؤلاتهم للإمام الصادق (عليه السلام) حول حجية أحكام هؤلاء القضاة؛ ومن غير المستبعد أن يكون “القاضي” المقصود في سؤال عمر بن حنظلة هو ابن أبي ليلى نفسه.

كان أبو حنيفة يعترض مراراً على فتاوى ابن أبي ليلى. ويشير “أبو زهرة” إلى أن أبا حنيفة في نقده لم يكن يفرق بين “الحكم الإلزامي” الصادر من القاضي وبين “الفتوى غير الإلزامية” الصادرة من الفقيه، وهو ما انتقد فيه بعضُ الكتاب أبا حنيفة، معتبرين أنه كان ينبغي أن يكون نقده سراً.

وصل الخلاف بينهما إلى شكوى رفعها ابن أبي ليلى، أدت إلى منع أبي حنيفة من الإفتاء مؤقتاً، حتى استُدعي إلى بغداد لتولي القضاء. وعندما رفض عرض المنصور —حتى رفض أن يكون مرجعاً استشارياً للقضاة في المسائل العويصة— تعرّض للضرب والحبس.

نظراً للارتباط الوثيق بين ابن أبي ليلى وجهاز الحكم، كان من الصعب نقد أحكامه أو نقضها ميدانياً. حتى ورد في بعض الروايات عن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله: «إنَّا لا نَقْضِي عَلَى ابنِ أبي لَيلَى بِحُكْمِهِ وَلا نَقْدِرُ عَلَى خِلافِهِ» (الكافي، ج7، ص61).

وهذا يعكس صورة واضحة لمدى السطوة التي كان يتمتع بها قضاة العامة، والظروف المعقدة التي أحاطت بحركة الفقهاء والمؤمنين آنذاك.

فقهاء العامة في مواجهة القضاة

في المقابل، كان فقهاء العامة —ولا سيما من كان على شاكلة أبي حنيفة— يعيشون غالباً حالة من العزلة عن الجهاز الحاكم، وكان لبعضهم ميولٌ واضحة نحو العلويين، بل إن بعضهم تلمذ على يد الإمام الصادق (عليه السلام). وفي قضية “أبو ولاد” الشهيرة، نجد أن طرفي النزاع تراضيا على تحكيم أبي حنيفة بمحض إرادتهما؛ رغم أنه لم يكن قاضياً منصوباً من قِبل الدولة، بل كان يؤدي دور “الحَكَم” فحسب.

لقد انعكس هذا الخلاف بين الفقهاء والقضاة في أمهات كتب أهل السنة؛ فقد تحدث الشافعي في كتابه (الأم) عن التباين الحاد في وجهات النظر بين أبي حنيفة وابن أبي ليلى، وأفرد في كتاب “الحدود” صفحات عديدة لتفصيل هذه السجالات والنزاعات الفقهية.

بشكل عام، ساد نوع من التجاذب والصراع المستمر بين طبقة الفقهاء وطبقة القضاة. وبناءً عليه، لم تكن نظرة الأئمة (عليهم السلام) للفقهاء كنظرتهم للقضاة؛ فكان رد فتوى الفقيه أمراً اعتيادياً ومقبولاً، لأن الفتوى في جوهرها تفتقر إلى “الإلزام الاجتماعي” (السلطوي).ولا يقع الاضطراب في المجتمع إلا في حال صدور فتاوى متضاربة من فقيهين كبيرين يتمتعان بنفوذ واسع، مما قد يؤدي إلى إرباك العامة وتشتت شملهم.

من مخالفة العامّة إلى مخالفة القضاة غير المجتهدين

تصل وجهة نظر آية الله السيستاني في هذه النقطة إلى تمفصلها المركزي؛ حيث يصرّح سماحته بأنّ المراد الأساسي من «مخالفة العامّة» في روايات الترجيح، إنما هو مخالفة «قضاة وحكّام العامّة»، وليس بالضرورة مخالفة كل رأي فقهي مشاع بين أهل السنّة.

ولم يقتصر خلل هؤلاء القضاة على التبعية السياسية فحسب، بل كانوا في الغالب يفتقرون إلى ملكة الاستنباط الفقهي؛ ففقههم لم يكن فقهَ اجتهادٍ واستدلال، بل كان «فقه امتثال الأوامر السلطانية». ومن هذا المنطلق، عندما توافق الروايةُ آراء هذه الفئة، تتشكل قرينة قوية على صدورها في أجواء التّقيّة.

ويؤكد آية الله السيستاني أنّ هؤلاء القضاة لم تكن لديهم القدرة على الاستنباط، ولم يتوخّوا الدقة اللازمة في تمحيص ما وصل إليهم من أقضية أمير المؤمنين (عليه السلام)، بل كان جلّ اهتمامهم منصبّاً على أحكام الخلفاء السابقين. وقد حفلت الروايات بمناظرات الأئمة (عليهم السلام) ونقدهم العلمي لابن أبي ليلى، وابن شبرمة وغيرهما.

وقد ذهب بعض الكتاب المحدثين من العامة —كصاحب كتاب (فجر الإسلام)— إلى احتمال تأثر بعض القضاة بفقه غير إسلامي؛ حيث قيل إنّ «الأوزاعي» قد تأثر بالفقه الروماني. ورغم أنّ صحة هذا الإدعاء ليست جليّة، إلا أنه بناءً على هذا الفرض، لا يُستبعد أن يكون قضاة الكوفة قد تأثروا بنظم فقهية أو قانونية إيرانية (فارسية) قديمة.

القسم الثالث: الفقه، القضاء، والتّقيّة؛ لماذا يُقدّم القضاة على الفقهاء في مرجّحات الترجيح؟

تتجلى إحدى أكثر أبعاد تحليل آية الله السيستاني ابتكاراً في مبحث «الترجيح بمخالفة العامّة»، من خلال تركيزه على الموقع المؤسساتي لمنصب القضاء ضمن بنية السلطة. فوفقاً لهذه الرؤية، لا يكمن الفارق الجوهري بين الشيعة والسنة، بل بين الفقه المستقل والفقه المؤسساتي الموضوع في خدمة الخلافة. وهذا التمايز هو الذي يفسر لماذا تتوجه روايات الترجيح نحو مخالفة «قضاتهم وحكامهم» أكثر من توجهها لمخالفة فقهاء العامة كأفراد.

إن القضاء —على خلاف الإفتاء— ليس مجرد بيان لرأي فقهي، بل هو قرار إلزامي يمس مباشرة الدماء والأموال والحقوق الاجتماعية للناس، ومن هنا فإن القاضي الحكومي ليس فقيهاً حراً، بل هو «كادر» أو وكيل في نظام سياسي معين. هذا الموقع يحجم —وبالضرورة— الاستقلال العلمي بل قد ينسفه تماماً؛ مما يجعل حكم القاضي تابعاً لملاحظات القوة وموازين السلطة بدلاً من أن يكون ثمرة لملكة الاجتهاد.

ومن منظور آية الله السيستاني، فإن هذا الواقع المؤسساتي له تأثير مباشر في تقييم الروايات؛ فكلما وافقت الروايةُ رأيَ القضاة الرسميين، شكل ذلك بمفرده قرينة قوية على أن الرواية قد صدرت في مناخٍ كانت فيه التّقيّة محتملة بل وغالبة. وبناءً عليه، فإن مخالفة مثل هذه الرواية ليست مجرد موقف لتعزيز الهوية، بل هي خيار عقلاني ومنهج علمي للوصول إلى الحكم الواقعي وتخليصه من شواب العوارض السياسية.

قُصور المَلَكة الاجتهادية لدى القضاة؛ مسألةٌ تتجاوز التبعية السياسية

لا يكتفي آية الله السيستاني في تحليله بالإشارة إلى التبعية السياسية للقضاة فحسب، بل يسلط الضوء على نقطةٍ أكثر عمقاً، وهي افتقار الكثير من قضاة العامة لملكة الاستنباط الفقهي؛ وبتعبيرٍ آخر، لم تكن المشكلة منحصرة في صدور الأحكام تحت ضغوط السلطة فحسب، بل كانت تكمن في أن القاضي لا يمتلك أصلاً أدوات الاجتهاد الدقيق. فبدلاً من الاعتماد على منهجٍ استنباطي منسجمٍ مستمدٍ من الكتاب والسنة، كان جلُّ اعتماد هؤلاء القضاة على السوابق القضائية، وأحكام الخلفاء السابقين، والمصالح المزعومة للنظام السياسي؛ ومن هنا، لم يكن فقههم «فقهَ النص» بقدر ما كان «فقهَ الواقع السلطاني»، وهو فقهٌ ينبع من أروقة القوة لا من نصوص الوحي.

وفي ظل ظروفٍ كهذه، كان من الطبيعي أن يدعو الأئمةُ (عليهم السلام) أتباعهم إلى اعتزال هذا الجهاز القضائي، وهو اعتزالٌ يتجلى على مستويين: الأول مستوى العمل الاجتماعي عبر عدم الترافع إليهم، والثاني مستوى المعرفة عبر عدم الوثوق بالروايات التي تتماشى مع مسلكهم؛ وهنا تحديداً تكتسب قاعدة «الترجيح بمخالفة العامة» دلالتها الحقيقية ومعناها العميق.

التّقيّة؛ استراتيجية بقاء أم أداة تشخيص؟

تتمثل النقطة المهمة الأخرى في تحليل آية الله السيستاني في إعادة تعريف دور التّقيّة؛ فهي في هذه القراءة ليست مجرد استراتيجية دفاعية لحفظ النفوس والأمن فحسب، بل تتحول بشكل غير مباشر إلى أداة لتشخيص الحكم الواقعي أيضاً. بمعنى أنه كما تكون التّقيّة سبباً في صدور بعض الأحكام الخاصة ضمن ظروف معينة، فإن رصد سياقات التّقيّة وخلفياتها يساعد أيضاً في عملية “غربلة الروايات”. وبناءً عليه، عندما تتماشى الرواية مع بنية السلطة وجهاز القضاء الرسمي، فإن هذا التماشي بحد ذاته يعد إشارة توجب النظر إلى تلك الرواية بعين الاحتياط؛ وفي المقابل، فإن الرواية التي تبتعد عن هذا الفضاء تمتلك فرصة أكبر في التعبير عن الحكم الواقعي، وهذا هو المنطق الدقيق الذي ينعكس في التعبير الروائي المشهور: «ما خالفَ العامّة ففيه الرشاد».

ونتيجة لذلك، فإن مخالفة العامة ضمن هذا الإطار ليست أصلاً تعبدياً جامداً، بل هي “منهج تحليلي حيوي” يدفع الفقيه إلى بذل العناية بظروف صدور الرواية، ومكانة المتحدث، ونسبتها إلى القوى السياسية القائمة.

القسم الرابع: من العبادات إلى المعاملات؛ سعة نطاق قاعدة الترجيح في فكر آية الله السيستاني

قد يبدو في بادئ الأمر أن مبحث «الترجيح بمخالفة العامة» يقتصر على أبواب القضاء والمعاملات والنزاعات المالية، باعتبارها المجالات التي تتماسّ طبيعياً مع بنية السلطة وجهاز الحكم؛ إلا أن تحليل آية الله السيستاني يبرهن على أن نطاق هذه القاعدة لا ينحصر في هذه الدوائر فحسب، بل يمتد ليشمل العبادات والشعائر الدينية أيضاً. إن مبرر هذا التوسع ليس تعبداً محضاً أو توسعة اعتباطية للقاعدة، بل يستند إلى حقيقة تاريخية مفادها أن الحكام لم يكتفوا بالتدخل في شؤون القضاء والسياسة، بل امتدت أيديهم لتغيير المناسك الدينية مباشرة؛ بدءاً من التلاعب بترتيب خطبة صلاة العيد وتقديمها على الصلاة، وصولاً إلى حذف أو تحريف بعض الأذكار والشعائر، وهي نماذج موثقة في المصادر التاريخية والفقهية.

ومن وجهة نظر آية الله السيستاني، فإن هذه التدخلات تؤكد أنه حتى في باب العبادات لا يمكن الغفلة عن تأثير السلطة السياسية؛ فحينما تقدم السلطة نفسها كمتولٍ شرعي للدين، فمن الطبيعي أن تسعى لتثبيت القراءة التي تخدم توجهاتها، وهي قراءة لا تطابق بالضرورة السنة النبوية أو العلوية. وفي ظل هذا المناخ، لا يمكن قبول الروايات التي تتماشى مع المنهج العبادي الرسمي للسلطة دون تمحيص. ويستند سماحته في تحليله إلى شواهد تاريخية جلية؛ فتقديم خطبة العيد على الصلاة —الذي استقر كمنهج رسمي في حقبة ما— أو حذف «حي على خير العمل» من الأذان، لم تكن مجرد تغييرات فقهية بسيطة، بل كانت قرارات سياسية-دينية فُرضت من الأعلى لغايات سلطوية.

تثبت هذه النماذج أن العبادات بحد ذاتها كانت تتحول أحياناً إلى ساحة لممارسة القوة وتكريس الشرعية؛ لذا فإن أي رواية في باب العبادات توافق هذه المناهج السلطوية، يرتفع فيها احتمال الصدور لعلة التقية أو تحت وطأة الضغوط السياسية. ومن هنا، يؤكد آية الله السيستاني أن معيار الترجيح يظل متمحوراً حول “حساب احتمالات التقية”، سواء كان موضوع الرواية عبادات أم معاملات؛ فحيثما دلت القرائن الخارجية على أن حكام وقضاة العامة كان لهم دور فاعل في صياغة منهج فقهي معين، وجب التعامل مع الروايات الموافقة لذلك المنهج بمزيد من الحذر والاحتياط العلمي.

القسم الخامس: قاعدة “الترجيح” بوصفها منهجاً؛ العبور من الفقه التعبّدي إلى الفقه العقلائي التاريخي

يُعدّ تغيير زاوية النظر إلى ماهية القاعدة نفسها من أبرز إنجازات قراءة آية الله السيستاني لروايات الترجيح. ففي هذه القراءة، لا يُمثّل “الترجيح بمخالفة العامة” أمراً تعبدياً محضاً ومقرراً سلفاً، بل هو منهج تحليلي لتقييم الروايات المتعارضة؛ منهجٌ يدعو الفقيه إلى سبر أغوار “ظروف الصدور” واستجلاء نسبة الرواية إلى السلطة السياسية القائمة آنذاك.

بناءً على ذلك، لا تمتلك “مخالفة العامة” موضوعيةً ذاتية (أي ليست مطلوبة لذاتها)، بل الموضوعية لـ “تقليل احتمالية التقية” ورفع نسبة “إصابة الحكم الواقعي”. فالمخالفة لا تكتسب قيمةً معرفية إلا بقدر ما تكون كاشفاً عن ابتعاد الرواية عن أجواء الضغط، والإكراه، والمصلحة السياسية. فإذا انتفى هذا الكاشف، تعطّلت فاعلية هذا المعيار تلقائياً.

في الواقع، يرتفع آية الله السيستاني بقاعدة الترجيح من مستوى “المعادلة التعبدية” إلى مستوى “المنهج العقلائي”. وبدلاً من أن يبحث الفقيه بآلية ميكانيكية عن الخبر المخالف للعامة، عليه أن يتساءل: في أي فضاءٍ صدرت هذه الرواية؟ ومن كان المخاطب بها؟ وما هي القوى الاجتماعية والسياسية التي ساهمت في تشكيل سياقها؟

حساب الاحتمالات: الركيزة المعرفية للمنهج الأصولي

تتمثل النقطة المركزية في هذا المنهج في “الحساب العقلاني للاحتمالات”. يؤكد السيد السيستاني أنه عند تعارض الأخبار، لا يوجد معيار واحد حاسم بمفرده؛ فلا الموافقة ولا المخالفة للعامة تمتلك قيمة مطلقة، بل الحاسم هو “محصلة القرائن والشواهد”.

فإذا دلّ تراكم القرائن على أن أحد الخبرين — بسبب تماشيه مع الجهاز القضائي أو السلطة الزمنية — هو أكثر عرضة لشبهة التقية، فإن “العقل الأصولي” يحكم بطرح ذلك الخبر. وفي المقابل، فإن الخبر البعيد عن هذه القرائن السلبية يكون هو الأجدر بالأخذ والاعتماد، حتى وإن كان أقل شهرةً من الناحية الاجتماعية.

وبهذا، لا تعدو “قاعدة الترجيح” في رؤية السيد السيستاني أن تكون تطبيقاً لذات الأصل العقلائي الذي عبّرت عنه النصوص الشريفة بـ “الأمر البيّن رشده”؛ أي اتباع المسار الذي تتجلى فيه أمارات الهدى بوضوح أكبر.

 

 

بقلم: حجة الإسلام علي إلهي الخراساني عضو الهيئة العلمية بمجمع البحوث الإسلامية، ومدرس السطوح العليا في حوزة مشهد العلمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *