الرئيسية / التصنيف الرئيسی / البيتكوين.. دراسة فقهية من منظور الفقه الفردي (2)
البيتكوين

البيتكوين.. دراسة فقهية من منظور الفقه الفردي (2)

رغم عدم اتخاذ موقف رسمي من جانب المراجع بشأن هذا النوع من النقود و بشكل عام بشأن النظام النقدي الافتراضي، إلّا أننا على كل حال لو رجعنا إلى فتاوى المراجع على صعيد الفقه الفردي فيما يخص البيتكوين يمكننا أن نطرح القضايا بشكل نصل إلى إجابات إيجابية في هذا المجال.

خاص الاجتهاد: دراسة البيتكوين فقهياً تستلزم دراسة على الصعيدين الفردي و الحكومي؛ صعيد الفقه الفردي ينظر إلى القضايا نظرة فردية و يتطرق صعيد الفقه الحكومي إلى المواضيع و المنظمات نظرة شاملة ومنتظمة.

بناء على هذا، هناك و من منظور الفقه الفردي هذا السؤال مطروح وهو: إذا قام أحد بشراء البيتكوين و بيعه، أو كسب ربحاً كيف يكون حكم هذا الربح ؟ حلال أم حرام ؟كما يجب من منظور الفقه الحكومي أن نرى أن رواج البيتكوين في البلاد كيف تؤثر على الاقتصاد الإسلامي ؟ و أي منظمات ستنتفع من هذا النوع من النقود و أي منظمات يطاح بها؟

للجواب على هذا السؤال يجب أن نقول: رغم عدم اتخاذ موقف رسمي من جانب المراجع بشأن هذا النوع من النقود و بشكل عام بشأن النظام النقدي الافتراضي، إلّا أننا على كل حال لو رجعنا إلى فتاوى المراجع على صعيد الفقه الفردي فيما يخص البيتكوين يمكننا أن نطرح القضايا بشكل نصل إلى إجابات إيجابية في هذا المجال.

لكن من منظور الفقه الحكومي هناك تحديات أمام البيتكوين لا يكمن أن يمر مرور الكرام لأن أضراره سيؤثر على النظام الاقتصادي للبلاد على المستوى الكلي. إذن، التعرف على الموضوع و أبعاده و آثاره المختلفة على النظام الاقتصادي هو الخطوة الأولى في اتخاذ موقف مناسب من هذا الموضوع و عرض الأحكام اللازمة فيه.

محتويات البحث:

دراسة البيتكوين من منظور الفقه الفردي

الماهية الفقهية للنقود

الأبعاد الفقهية للبيتكوين من منظور النقود الافتراضية

مثلية البيتكوين و قيميته

تعويض قيمة النقود في البيتكوين

منع الربا و البيتكوين

منع الغرر و البيتكوين

الأبعاد الفقهية للبيتكوين من منظور كونه ملكا

 

دراسة البيتكوين من منظور الفقه الفردي

نظراً لأن بعضاً يعتبرونه نقداً و عملةً افتراضية، ينبغي أن نتطرق إلى دراسة النقود من المنظور الفقهي و ثم يجب تحليل الأسس و القواعد السائدة عليها بشأن النقود الافتراضية بما فيها البيتكوين.

الماهية الفقهية للنقود:

لا شك أن النقود ظاهرة عرفية و ناتجة عن الحياة الاجتماعية للإنسان. إذن يجب أن يتم التحليل الفقهي للنقود قائمة على الأسس العرفية و المهنية المستفادة لدى مبتكريها . على كل هذا، لعلماء الاقتصاد آراء مختلفة حول ماهية النقود. رغم كل هذه الخلافات، يمكننا أن نقبل إجماع المفكرين على التوظيفات الثلاث للنقود و هي: إنها أداة للتداول، و مؤشر للتقييم، و تخزين القيمة كتصور حاسم. كانت هذه التوظيفات الثلاث موجودة في عصر الرسالة كما أكدها الأئمة المعصومون عليهم السلام.

يمكن أن نجد في لغة الاقتصاد التقليدي نظريتين شاملتين: يعتقد بعض أن النقود سلعة تتجلى بشكل المعادن الثمينة أو أوراق بهذا الدعم.

و يعتبرها البعض بلادعم و منفصلة عن أي سلعة و مجرد أداة لتسديد الديون و يعتقدون أن نشرها الحصري يكن للحكومات.
يمكن أن نصنف آراء المفكريين الإسلاميين حول ماهية النقود في صنفين رئيسين : صنف يؤكد في تحليل ماهية النقود القدرة الشرائية لها و الأخر يعتبر القيمة الاسمیة، العنصر الرئيس في ماهية النقود.

يرى المرحوم الشهيد الصدر أن حقيقة النقود كلها هي “القدرة الشرائية”. لهذا رغم أن النقود برأيه مال مثلي، لكنه يعتبر كل ما يبين القيمة الحقيقية لازماً عند فراغ الذمة و تعويضها. من وجهة نظر سماحته إن القدرة الشرائية هي نفس القيمة التبادلية والمالية للنقود.
كما يرى آية الله الموسوي البجنوردي الذي هو من أنصار نظرية القدرة الشرائية، أن ماهية النقود هي قوة القدرة الشرائية من جانب المشرع .

ربما أهم الانتقادات على نظرية القدرة الشرائية هي خلط مفهوم المال و المالية و عدم الالتزام باعتبار النقود أدواتاً مثلية. في الجانب الآخر، أصحاب نظرية “القيمة الاسمية” بعد اعتبارهم النقودَ مثلية، يعتبرون القيمة الاسمية للنقود داعمة ماهية النقود. أصحاب هذه النظرية، يعتبرون النقد “القيمة التبادلية للأشياء” التي تكمن فيها القيمة الاستهلاكية.

يبدو أن نظرية كون النقود مالا اعتباريا أصح من غيرها. إن النقود لا قيمة لها إلا التبادلات البحتة، و ماليتها منشأها و اعتمادها هو اعتباريتها. وفقاً لهذه النظرية، النقود من أي نوع و من أي جانب من الجوانب، لها درجات من الاعتبار.

يتعين الاعتبار في مرحلة تعيين وحدة القياس و مقدارها على يد القانون. كما يتعين كون النقود آلية للتبادل من جانب المعتبِر. هذا يعني أنه يجعل للنقود ذات بواسطة حكم المعتبر و تتولد النقود كمال بلاقيمة معينة. ثم يمنح المعتبر هذا المخلوق المالية البدائية المعينة و تحدد نسبة كل وحدة قياس القيمة.

يتعين المال بقيمة معينة في العملات الموجودة حاليا على يد المُشرِّع كآلية للتداول و في النهاية تظهر قيمتها الثانوية و المتغيرة عبر ظهورها و تداولها في الاقتصاد الفعلي و علاقتها مع الإنتاج الوطني يكون الاعتبار في العملات الموجودة بيد القانون و اعتماد قيمتها تتعلق بسعة الإنتاج الوطني و الاستقرار السياسي و وفاء الحكومة بعهدها في الحفاظ النسبي على القيمة البدائية للنقود و فقاً للمعيار .

وفقا لهذه النظرية تنتج النقود الافتراضية متناسبة مع ظروف خلقها و تداولها في العالم الافتراضي و اعتماد القيمة و وحدة القيمة و توظيفاتها و الآثار الأخرى و درجات حضورها.

مادام اعتبار النقود الافتراضية مقبولة من جانب خالقها و مستخدميها فحضور هذه النقود الافتراضية جار . النقود الافتراضية شرعية كغيرها من النقود الموجودة بناء على اعتبار مخترعيها (في آليات الخلق و الرقابة) و رواج هذه النقود بين المستخدمين فقط كجانب آخر في هذا الاتفاق . الدقة على شرعية نشاط تؤدي إلى إنتاج و قيمة النقود الافتراضية هو التحفظ الوحيد على شرعية موجودية هذه النقود .

إن كان إنتاج النقود الافتراضية و أحقيتها معتمدة على نشاط غير شرعي من جانب الشارع فمالية هذه النقود فيها إشكال و سيكون اعتبارها غير معترف به لدي الشارع . وفقا للمعايير الفقهية في المالية يشترط أن تكون للشيء أو العمل منفعة محللة مقصودة معقولة و إلا لن يكون ذاك الشيء أو العمل معترفا به لدى الشارع .

لو كان أساس إنتاج و تداول النقود الافتراضية شرعيا لا يتصدى الشارع لهذه الاعتبارات العرفية و التوافقات . إذن لو تولدت النقود الافتراضية بواسطة اعتبار خالقها و كان مصدر إنتاجها نشاطا أو مالا له منفعة محللة مقصودة معقولة . مادام هذا التوافق محترما لدى مستخدمها سيكون محترما لدى الشارع أيضا .

الأبعاد الفقهية للبيتكوين من منظور النقود الافتراضية

مالية البيتكوين الافتراضية:

مالية البيتكوين مالية اعتبارية ويجب أن نعتبر قيمتها إما ناتجة عن ثقة واقبال عام للقبول بها، أو بسبب الخوارزمي «algorithme» المعقد لدى الرياضيين الذي قد أدى في النهاية إلى مالية البيتكوين. و في كلتي الحالتين ستكون ماليتها اعتبارية.

لكن النقطة الجديرة بالعناية هي أنه في الأوراق النقدية في هذا العصر و العملات الاكترونية التي يتم إيجاد النقود و الاعتبار النقدي من جانب الحكومة و المؤسسات التابعة لها، يؤثر الاعتماد الاقتصادي و السياسي و العسكري و الأمني و الثقافي للحكومات و الأسباب الأخرى في اعتبارية مالية هذا النوع من النقود .

بعبارة أخرى لا تستطيع الحكومات دائما أن تقوم بالخلق ( طبع و توليد) اللامحدود للنقود دون العناية بالقضايا الاقتصادية في العالم الواقعي كالقدرة الاقتصادية، لأنه تؤدي إلى انهيار قيمة النقود و بالتالي سينهار النظام الاقتصادي للبلاد . إذن للقيمة الاعتبارية لهذا النوع من النقود مقابل حقيقي في النظام الاقتصادي.

لكن مفهوم الاعتماد و المالية الاعتبارية في النقود الافتراضية كالبيتكوين تختلف ماهيته، لأن القيمة الاعتبارية لهذه النقود و مقابلها الحقيقي ليس واضحاً و من الناحية الشرعية تطرح أسئلة عدة و هي: ما هو مصدر اعتبار النقود الافتراضية ؟ هل لهذا النوع من الاعتباريات أساس شرعي و عقلي ؟ و هل هناك تناسب بين القيمة الحقيقية و الاسمية لهذه النقود ؟ فمن منظور الفقه الحكومي و فقه النظامات يجب أن يرد على هذه الأسئلة .

لهذه الأسباب يتبين لنا أن البيتكوين يختلف ماهيته عن الذهب و حتى عن الورقة النقدية و لا يمكن تنفيذ أحكام الذهب و الورقة النقدية في البيتكوين و نحن بحاجة إلى أحكام تناسبه.

مثلية البيتكوين و قيميته :

كما ذكرنا أن البيتكوين من حيث المالية له مالية اعتبارية كالورقة النقدية رغم وجود الخلاف في اعتباره و قيمته الواقعيين لكن بما أن ماليته اعتبارية يمكننا أن نعتبر مثليته أو قيميته مثل الورقة النقدية.

موضوع المثلية و القيمية يعد من المواضيع الفقهية المهمة بشأن النقود الاعتبارية. يعتبر الفقهاء المشهورون النقود الذهبية و الفضية التي لها قيمة ذاتية، مثلية. لكن تختلف وجهات نظرهم بشأن النقود الاعتبارية.

يعتقد الفقهاء الذين يعتبرون التصنيف إلى المثلية و القيمية مختصة للأموال الحقيقية، أن النقود الاعتبارية مثلية و ليس قيمية. لكن المشهور بين المعاصرين هو مثليته.

يقول الشهيد الصدر متخذا نظرية المشهور بمثلية الورقة النقدية بالاعتماد القانوني:” إن النقود الورقية رغم أنها أموال مثلية، مثليتها ليس مجرد تلك الورقة، بل هي كل شيء يبين و يجسد القيمة الحقيقية؛ لهذا، لو دفع المصرف عند إعادة دفع ودائع المودعين السعر الحقيقي مما تسلم، لم يرتكب الربا “.

إذن نظرا لمثلية النقود الاعتبارية يمكننا القول إن الشخص الذي هو صاحب بعض من البيتكوين، ليس صاحب بعض من الأرقام في العالم الافتراضي، كما عندما يقول شخص : لدي كذا من البيتكوين، لا يقصد أني صاحب كذا من الأرقام و المعادلات في ذاكرة حاسوبي، بل يقصد أنه صاحب قدرة شراء هذه العملة الافتراضية و يمكن أن ندرس المثلية بشأنها.

تعويض قيمة النقود في البيتكوين:

كما أشرنا أن البيتكوين مال مثلي و مثليته هو قدرته الشرائية. إذن تعويض قيمة البيتكوين أو قدرته الشرائية المفقودة له مبرر. رغم أن الشهيد الصدر يعتبر النقود مالا مثلياً، إلا أنه لا يعتبر مثلية النقود مجرد الورق و عدد الوحدات المكتوبة عليهان بل إضافة على ذلك يعتبر مثل النقود شيئا يجسد قيمتها الحقيقية و القيمة الحقيقية للنقود هي القدرة الشرائية أو قيمة تداولاتها.

منع الربا و البيتكوين:

الربا في النصوص الفقهية قسمان: الأول الربا المعاملي و هو عبارة عن الإضافات التي تتلقى في تبادل بضاعتين متساويتي الوزن و الكيل وفقا لشروط مسبقة، و الثاني الربا القرضي الذي يقال للإضافة على المبلغ المقترض الذي يدفعها المديون للدائن بسبب قرض اقترضه.

من المعلوم أن البيتكوين ليس من نوع الكيل و الموزون بل هو رقم و إمكانية الربا فيه ليس مطروحاً. لكن القرض الربوي ليس منحصراً في النقود والورقة النقدية، و يستخدم أيضا في غير النقود من البضائع رغم أنه في هذا العصر انحصر في النقود، و لا فرق في البضائع سواء كانت كيليا و وزنياً أم لا و قد يحدث في البيتكوين أيضا. نظرا لأن البيتكوين نقود غير متمركزة و لا معنى للمصرف و إيداع المال بالنسبة له، إذن يبدو هو أكثر تبريرا مقارنة بالنقود غير مدعومة لهذا العصر.

في مقالة له قام “تشارلز اوانز”؛ أستاذ جامعة “البري” في مجلة “المصرفية و المالية الإسلامية” بتقييم العملات الافتراضية مع إلزامات المصرفية الإسلامية. يقول أوانز في هذا المقال: إن البيتكوين أو نظام مماثل له، يمكن أن يكون أكثر تلائما مع المصرفية والمالية الإسلامية مقارنة بالعملة النقدية المدعومة من المصرف المركزي الذي تدعم بواسطة الربا لا سيما في الصفقات غير المعتمدة على المصرف و في مقاييس صغيرة. لكن جدير بالذكر أنه لا يمكن الإدلاء بتصريحات بالسهولة دون أن نلقي نظرة منتظمة إلى هذه الظاهرة.

منع الغرر و البيتكوين:

هناك معانى كثيرة لكملة ” غرر” في المعاجم و كلام الفقهاء. لكن المعنى الأكثر تناسبا مع حديث “نهي النبي (ص) عن بيع الغرر” هما الخدعة و الخطر. رغم أن كلمة “غرر “لم تأت في كتب اللغة بمعنى الجهل، لكنها مهما كانت لها معنى من المعاني المذكورة، يمكن أن يدل على مجهولية الشي ء المبيع أيضا. لأن الشخص الذي ليس لديه اطلاع كاف على موضوع الصفقة، هذه الصفقة خطر له لأنه يمكن أن يُخدَع و تصبح توقعاته بشأن الصفقة مغايرة للواقع و بالتالي يفقد ماله عبثاً .

وبعبارة أخرى، ما نهي عنه في حديث الغرر من جانب النبي (ص) هو البيع و أي صفقة يكتنفه الخدعة و الخطر، سواء كانت الخدعة أو الخطر بسبب مجهولية الشيء المبيع أو شيء آخر كالتشكيك في قدرة التسليم.

بشأن الغرر في البيتكوين لنقل، إن أسعاره منذ ظهور هذه العملة حتى اليوم كان غير مستقرة تماماً كما تم تبادل كل بيتكوين في عام 2013 بسعر 13 دولارا لكنه بعد مرور عدة شهور بلغ حوالي 1150 دولارا . كما شوهدت هذه التذبذبات في السنوات الأخيرة. فعلى سبيل المثال قد بلغ سعر البيتكوين أواخر عام 2016 من حوالي 1000 دولار إلى 4000 دولار تقريبا في أوت 2017 و حاليا تخطى رقماً نحو 7 آلاف دولارا .

تذرع بعض من الخبراء بأن تسعير البيتكوين غير معقول و تداولاته غررية. لكن كثيراً من الخبراء يبررون هذه التذبذبات بقوة و يذكرون سببين لها. أولا هؤلاء الخبراء يعتبرون هذه التذبذبات الشديدة بسبب العرض و الطلب في السوق بأنها نتاج معقوليتها و ليس نتاج المضاربة، و ثانياً إنهم يرون أن المشكلة الرئيسة هي أن منتقدي البيتكوين يقيسون هذه العملة بالدولار. إنهم يدعون لما أصبح البيتكوين عملة مرجعية لن يكون أثر لهذه التذبذبات.

على أي حال، وفقاً للنصوص الإسلامية إذا أراد شخص أن يدخل في التدوال بالبيتكوين يجب أن يطلع على نسبة المجازفة ومستقبل الاستثمار في هذا المجال. أي يجب أن يتعرف على كوامن البيتكوين و مزاياه و معايبه كي لا يقبل على البيتكوين جاهلاً و دون إيضاح و بمجازفة بالغة. لكن علينا أن نقبل أن البيتكوين حتى الآن شهد مجازفة بالغة، وهذا الأمر وهو أنه هل إذا كان الاطلاع عن هذا الخطر الذي ناتج عن الأسباب العقلية يستطيع أن يؤدي إلى الغرر أم لا؟ مازال يحتاج إلى الدراسة.

الأبعاد الفقهية للبيتكوين من منظور كونه ملكا :

كما طرح في مباحث معرفة الموضوع للعملة الافتراضية و البيتكوين، ليس بإمكاننا أن نعتبر البيتكوين بشكل رسمي نقوداً و عملة رقمية، لأنه رغم وجود بعض مواصفات النقود إلا أنه مازال تعوزه التوظيفات و الخصائص الرئيسة للنقود الاعتبارية . إذن يمكننا أن نسميه عملة افتراضية من باب التسامح.

لهذا، إن ما يكون أكثر تلائما مع ماهية البيتكوين هو أن نعتبره نوعاً من المال الرقمي الذي قائم على أساس المعلومات. بعبارة أخرى هو نوع من الأصول غير ملموسة التي أصبحت مالاً ذا قيمة لدى أعضاء المجتمع و هم مستعدون أن يدفعوا التكلفة للحصول عليها رغم أنه من الممكن أن يستفيدوا من هذا المال في حالات كأساس للتبادل و هذه المواصفة لن تنحصر في البيتكوين و قد تتحقق في أي مال نفيس.

تتحقق المالية من وجهة نظر الفقهاء بشرطين؛ الأول: أن يكون صالحاً للانتفاع و أن يكون ذا ربح يعتني به العقلاء. الثاني: أن يجعله الشارع حلالاً.

الشرط الآخر الذي أشير إليه في كلام الفقهاء أن لا يكون موفوراً، بمعنى أن لا يكون سهل المنال، و الحصول عليه يستلزم القيام بعمل ما أو إبرام صفقة. ما يتسابق و يتنافس العقلاء للحصول عليه.

وقد عرف المال في الفقه بـ: “المال ما يبذل بإزائه المال”، لكن بعض الفقهاء يعتقدون أن هناك تسلسل في هذا التعريف، لأنه قد جاء في تعريف المال: المال شيء يدفع مقابله المال. إذن التعريف مبني على أساس تعريف المال بحد ذاته. يبدو الأحسن هو أن يقال في تعريف المال بأن: المال شيء يرغب فيه الناس و يقضي حوائجهم بشكل مباشر و غير مباشر. بعض من المال كالأطعمة والملابس يقضي حوائج الإنسان بشكل مباشر، إذن ماليتها وقيمتها تكوينية وحقيقية. و القسم الآخر لا يقضي الحوائج مباشرة بل آلية لقضاء الحاجة، كالنقود التي لا تقضي حاجة بحد ذاتها، بل تتبادل بالأموال الأخرى و تقضي الحاجة بواسطتها و لها قيمة اعتبارية.

يقول الإمام الخميني (ره) في تعريف المال: ” إنما المال شيء يرغب فيه العقلاء و يطالب به من جانبهم بشكل هم مستعدون أن يدفعوا ثمنا و مقابلا له “.

المال في اصطلاح القانون شيء له قيمة اقتصادية و صالح للتقويم أي نقدر على تداوله .

ينقسم المال فقهياً باعتبار وجوده في الخارج إلى ثلاثة أقسام:
1. العين
2. المنفعة
3. الحق
هكذا طرحت هذه الأقسام في كلام الإمام الخميني (ره) :” لو تم الاشتراط أن يكون المبيع و المال المتبادل في البيع عيناً. ويقصد بالعين، نفس المفهوم الذي يقابل المنفعة و الحق”.

العين تطلق على مال موجود في الخارج و يكون مدركاً بالحواس الظاهرية .

المنفعة: تطلق على أرباح تكسب من الأشياء الخارجية. كون المنفعة مالاً محل الخلاف بين الفقهاء.

لقد عد بعض منهم المنفعة قسماً من أقسام المال، كما و قد عد بعض آخر المال إلى جانب المنفعة و أصدروا حكماً واحداً لهما.

الحق: هناك خلاف في بيان المعنى الاصطلاحي للحق بين الفقهاء. منهم عبروا عنه ب” التسلط على الشيء ” و عدّوه في مرحلة ضعيفة من الملكية. كما يعتبر بعض آخر الحق نوعا من ” الملكية”.

ويعتقد البعض أن الحق وُضع مباشرة من جانب الشارع و هو عبارة عن التسلط على الغير. إذن يمكننا أن نعتبر البيتكوين نوعاً من المال الذي يجري بشكل المنفعة و الخدمات في المجتمع.

جدير بالذكر أنه وفقاً لإبداع الخوارزمي الرياضي الذي حاضر في شبكة البيتكوين لانتقال المبالغ في عملية الند للند، يمكننا أن نعتبر البيتكوين نوعاً من الملكية الفكرية التي ماليتها و قيمتها الاقتصادية مقبولة لدى الفقهاء أيضا.

كما أشير سالفاً، إن المال الشيء الذي له قيمة اقتصادية، وليس هذا المال بالضرورة شيئاً مادياً بل الحقوق التي لها قيمة مادية تعتبر مالا أيضا. لهذا حق المخترع و المؤلف بالنسبة لآثاره يعتبر مالاً و صالح للتقييم. لهذا رغم التقسيم التقليدي للحقوق إلى الحقوق العينية و الدينية، يمكن أن نضيف إليهما قسما آخر و هو الحقوق الفكرية. الحقوق التي ليس موضوعها شيئاً مادياً بل تشمل النشاط الفكري و المعنوي لصاحبها و تسمح له أن يتصرف في حقوقه كيفما يشاء.

يرى أحد المنظرين، أن في العصر الحالي بسبب التطورات الكثيرة التي قد حدثت، لم يعد من الممكن أن نقيد الحقوق المالية وفقاً للتعريف التقليدي في الحقوق العينية و الدينية، بل هناك حق آخر مطروح و هو الحقوق المعنوية و تشابه المالكية من حيث الحصرية، لكن خلافا للحقوق العينية ليس موضوعها شيئاً مادياً كحق المؤلف على مكتوباته. إذن يمكننا أن نقسم الحق المالي إلى ثلاثة أقسام ؛ العينية و الدينية و المعنوية .

نظرا لأن جميع العقلاء في عالمنا المعاصر تقريباً اعترفوا بالملكية الفكرية و يعتبرون سلبها ظلماً الفقهاء أيضاً قد قبلوا الملكية الفكرية كحق و يعتبرون لها الشرعية.

إذن يمكننا أن نعترف بالبيتكوين كملكية فكرية ذات الثمن و المالية، و بسبب محدودية عرضها و طلبها، تكون أسعارها في التزايد.

المصادر:

1 . اصفهانی،شیخ الشریعۀ، فتح الله بن محمد جواد نمازی، رسالۀ فی تحقیق معنی البیع، دارالکتاب، قم، 1398 ه ق
2 . امامی، سید حسن، حقوق مدنی، انتشارات اسلامیه، تهران، ج 1 ،
3 . بجنوردی،سید حسن، القواعد الفقهیه، قم: الهادی، 1372 ، ج 2 ،
4 . اقتصادی اسلامی، شماره ،» تحلیل ماهیت پول « ، توسلی، محمد اسماعیل 48 ، 1391 ،
5 . جمعى از مؤلفان، مجله فقه اهل بیت علیهم السلام، مؤسسه دائرۀ المعارف فقه اسلامى بر مذهب اهل بیت علیهم السلام، قم – ایران،
اول، ه ق، ج 14 ،
6 . حکیم، سید محسن طباطبایی، نهج الفقاهۀ، انتشارات 22 بهمن، قم، بیتا،
7 . خمینی، روحالله موسوی، صحیفه امام خمینی، تهران، مؤسسه تنظیم و نشر آثار امام خمینی)ره(، 1389 ش ، ج 21 ،
8 . خمینی، سید روح الله، کتاب البیع، مؤسسۀ النشر الاسلامی، 1415 ه ق، الطبعۀ الخامسۀ، ج 1 ،
9 . خویی، ابوالقاسم موسوی، مصباح الفقاهۀ، بی تا، ج 2 ،
10 . حسنی، هاشم معروف، نظریۀ العقد فی الفقه الجعفری، منشورات مکتبۀ هاشم، بیروت، بیتا،
11 . خویی، ابوالقاسم، المستند فی شرح العروۀ الوثقی،بی تا، ج 4 ،
12 . زنجانی، عباسعلی عمید، فقه سیاسی، تهران، انتشارات امیرکبیر، چاپ چهارم، 1421 ق، ج 2 ،
13 . اقتصاد اسلامی، ،» ارزیابی انتقادی رویکردهای موجود در هستیشناسی پول؛ ارائه تفسیری بدیل « ، سبحانی،حسن و دوردیان، حسین
شماره 57 ، 1394 ،
14 . شوشتری، سید محمد حسن مرعشی، دیدگاههای نو در حقوق، تهران، نشر میزان، چاپ دوم، 1427 ق، ج 2 ،
15 . شیخ انصاری، مرتضی، المکاسب، قم: کنگره جهانی بزرگداشت شیخ انصاری، 1415 ،
16 . صدر، محمد باقر، الاسلام یقود الحیاه،بیروت: دارالتعاریف للمطبوعات ، 1382 ،
17 . صفائی، سید حسین، دوره مقدماتی حقوق مدنی اشخاص و اموال، تهران، میزان، چاپ اول، 1379 ش،
18 . کاتوزیان، ناصر، مقدمه علم حقوق، تهران، شرکت سهامی انتشار، چاپ بیست و هفتم، 1379 ش،
19 . محقق داماد، سید مصطفی، قواعد فقه، مرکز نشر علوم اسلامی، تهران، 1406 ه ق، ج 1 ،
20 . مراغی، سید میر عبدالفتاح، العناوین الفقهیه، قم: دفتر انتشارات اسلامی، 1417 ، ج 1 ،
21 . مکارم شیرازی، ناصر، فصلنامه رهنمون، مدرسه عالی شهید مطهری، 1371 ش، شماره 2 ،
22 . نائینی،میرزا محمد حسین غروز، المکاسب و البیع)للمیرزا النائینی(، دفتر انتشارات اسلامی، قم، 1413 ه ق، ج 1 ،
23 . وحدتی شبیری، حسن، مجهول بودن مورد معامله، قم : انتشارات دفتر تبلیغات اسلامی، چاپ اول 1379 ش
24 . یزدی، سید محمدکاظم طباطبائی، حاشیۀ المکاسب، مؤسسه اسماعیلیان، قم، 1421 ه ق، ج 1 ،
25. Raskin, M. (2013). Meet the Bitcoin Millionaires. Bloomberg Businessweek. April, 10.
26. Guo, J. & Chow, A. (2008). Virtual Money Systems: a Phenomenal Analysis. In E-Commerce Technology and the Fifth IEEE Conference on Enterprise Computing, E-Commerce and E-Services, 2008 10th IEEE Conference on, 267-272. IEEE.p.6
27. Bohme, R., Christin, N., Edelman, B., & Moore, T. (2015). Bitcoin: Economics, Technology, and Governance. The Journal of Economic Perspectives, 29(2), 213 –
238..p.228
28. Guo, J. & Chow, A. (2008). Virtual Money Systems: a Phenomenal Analysis. In E-Commerce Technology and the Fifth IEEE Conference on Enterprise Computing, E-Commerce and E-Services, 2008 10th IEEE Conference on, 267-272. IEEE . P5
29. Nakamoto, Satoshi. “Bitcoin: A peer-to-peer electronic cash system.”Consulted 1.2012 (2008): 28.
30. Jerry Brito, “Online Cash Bitcoin Could Challenge Governments, Banks” Times Mgazine, 16-Apr-2011.
31. John Kelleher, “What is Bitcoin Mining?” Investopedia, Apr. 2014

 

تنبيه: هذا البحث تم ترجمته من الفارسية من تقریر بعنوان: “بیت کوین و ماهیت مالی فقهی – پول مجازي” الذي قام بإعدادها ( سازمان بورس و اوراق بهادار، مرکز پژوهش، توسعه و مطالعات اسلامی ( منظمة البورصة والأوراق المالية – مركز البحوث، التطوير و الدراسات الإسلامية فی ایران)

 

إقرأ ايضا

 البيتكوين … ماهيتها و آراء المراجع فيها (1)

البيتكوين.. دراسة فقهية من منظور الفقه الحكومي (3)

عن عربی

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Real Time Web Analytics