خرید فالوور اینستاگرام خرید لایک اینستاگرام قالب صحیفه
الرئيسية / خاص بالموقع / 2 تقرير خبري / السيّد علي الناصر؛ العالم الأب..

السيّد علي الناصر؛ العالم الأب..

الاجتهاد: توفّي قبل أيّام أحد أعلام المجتمع الإيمانيّ المعاصر في المنطقة، واختتم سماحة العلّامة الفاضل والعلم الكبير السيّد علي الناصر السلمان برحيله تجربة رائدة ومتميّزة وناجحة في ما اختطّته من مسار، على طريق تبليغ الدين وترسيخ مبادئه في وجدان ووعي وأرواح المؤمنين.

وسيّدنا الراحل جدير بأن يُقدَّم بوصفه نموذجًا للعالم الأب، وهذا فيما أحسب أقرب وصف يمكننا أن نصفه به رضوان الله عليه. وأبوّة العالم الدينيّ موقع لا تستقيم حركة أيّ مجتمع مؤمن دون أن يملأه الرجل الكفؤ، ويقوم أبناء المجتمع بإعانته على أداء مسؤوليّاته تجاه هذا الموقع، وتقدير جهوده المبذولة في سبيل ذلك.

وإذا شئنا ذكر بعض ملامح أبوّة السيّد علي الناصر الاجتماعيّة، فسيكون أهمّها:

١) دوره التاريخيّ المشهود في تأسيس وإعادة تشييد مراكز التعليم والتربية الدينيّة متمثلةً في الحوزة العلميّة والمساجد والحسينيّات، وفي إحياء الشعائر الإسلاميّة مثل صلوات الجمعة والجماعة والمآتم الحسينيّة، بشكل مستمرّ ومميّز، وفي أجواء قلّ مثيلها، بحيث صارت مقصدًا للمؤمنين من شتّى المناطق. وليس هذا دورًا تقليديًّا باهتًا، بل هو يشكّل الإطار الذي يجمع سائر الفعاليّات الدينيّة ويعدّ منطلقًا إليها، ولا يمكن الاحتفاظ بروح التديّن في غير هذه الأجواء الجماعيّة المحفّزة لحضور الإيمان في النفوس، وتثبيته في القلوب، ولا يفوتني أن أشير في هذه النقطة إلى النبرة اللافتة والروحيّة الآسرة لسيّدنا الراحل في صلواته وأدعيته، التي كان يبثّ بها في الأرواح عبق النجف الأشرف الممتزج بأنفاس الإمام عليّ عليه السلام.

٢) شخصيّته الاستيعابيّة التي استطاعت أن تفرض احترامها -فرضًا حُبيًّا- على جميع أبناء المجتمع، وقدرته على تقدير الأولويّات وعزل موارد الخلاف عن أن تتسبّب في القطيعة بين المؤمنين، أو أن تمنعه من احتواء أخوته وأبنائه في الولاية والوطن والإيمان، وهذا ما نجده -مثلًا- عندما لا يتردّد في الثناء العلنيّ وإبداء المحبّة الخالصة والتقدير العالي لبعض من اختلف معه في قضايا حادّة تركت تأثيراتها على الوضع الاجتماعيّ، رغم أنّه يعد ولدًا صغيرًا في العمر له رحمه الله. وبذلك صار السيّد الراحل الناصر رمزًا لا يمكن تجاوزه، ورقمًا صعبًا في كلّ معادلات المواقف الكبرى، تخسر كلّ معادلة لا تأخذ رأيه وخبرته بالحسبان، دون أن يمارس سلطة جبر، ولا قوّة نفوذ وإكراه.

٣) رعايته المعنويّة والمادّيّة لطلبة العلوم الدينيّة، ولعلّ من خصائص سماحته في هذا المجال حفاوته العالية بعلماء الدين صغارًا وكبارًا، وإشادته بالمتميّزين منهم، وحثّه الناس على الانتهال من معارفهم والالتفاف حولهم. إضافة إلى ما قد يتبيّن بمرور الزمن من تصدّيه لسدّ حاجات رئيسة لا تستقيم مسيرة طلب العلم الدينيّ إلّا بها.

٤) وباعتبار كون السيّد واحدًا من خرّيجي الحوزة النجفيّة في فترتها الذهبيّة، وتلميذًا مقرّبًا ووكيلًا معتمدًا عند كبار مراجعها، فقد كان عاملًا فاعلًا في إشاعة ثقافة التديّن الحركيّ المنفتح، بلون يناسب البيئة التي يعيش فيها، وبما يحمله من عمق علميّ وفطنة فكريّة انفتح معهما المؤمنون على أفق متقدّم من الوعي الدينيّ، حصّنهم إلى حدّ بعيد من الانجرار وراء أصوات التشدّد ودعوات التفرقة الناشئة من تبيان الآراء الاجتهاديّة في العقيدة والفقه. ولا نبالغ إذا قلنا بأنّ المنطقة كانت ستغرق في مستنقعات فتنة آسنة لولا وجود سيّدنا الراحل وأخوانه من علماء جيل الطليعة المعاصرين.

-وفي ختام وقفتي القصيرة هذه، وهي بالتأكيد لا توفي سيّدنا الناصر حقّه، لا يسعني أن أترك الإشادة بما جمعه رضوان الله عليه إلى رحابة الفكر وتميّز العمل التبليغيّ، من أدب البيان وبلاغة الخطاب، فقد كان أديبًا في نطقه واستماعه، وهو شاعر كانت شاعريّته خفيّة تحت شعاع بقيّة جوانب شخصيّته المضيئة، وما أريده في هذه الخاتمة تأكيد أثر الحسّ الأدبيّ في شخصيّة عالم الدين على ترطيب روحه وتندية فكره وترقيق سلوكه، وضرورة إعادة الحالة الأدبيّة إلى الحوزات العلميّة، إسهامًا في تعديل مسارها، وتحسين ما تقدّمه للمجتمع من نتاج في مجال المعرفة، والخطاب، والعمل الاجتماعيّ.

وربّما يكون أهمّ ما نقتبسه من العلّامة السيّد علي الناصر السلمان رحمه الله ونحن في حزن فقده وهيبة تأبينه هو أنّ الاختلاف مع الكبار يكون عقوقًا إذا تغوفل معه عن عناصر قوّتهم، وأدّى إلى الاستخفاف بمكانتهم والتفريط في تثبيت رمزيّتهم في النفوس، باعتبار هذه الرمزيّة الناشئة من الدين ممثّلة لحضور الدين في الواقع والفكر والأرواح، ويكون الاختلاف برّا بهم إذا كان معه فتح نوافذ تأمّل لقراءة ما وراء الظاهر من مواقفهم وآرائهم في قضايا الفكر، والدين، والاجتماع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *