خرید فالوور اینستاگرام خرید لایک اینستاگرام قالب صحیفه

الحرب الناعمة.. حصار العقول وصناعة اليأس

الاجتهاد: لم يعد الغزو في زماننا الحالي مجرد جيوش تعبر الحدود أو طائرات تدكّ المدن. ثمة غزو آخر أذكى وأخطر، لا يُرى بالعين المجردة، إذ يُصنع في العقول قبل أن يُرسَم على الخرائط، ويتسلل في هيئة فكرة، أو شعور، أو خطاب يزرع الفرقة ويهدم القيم، وما يواجهه العراق اليوم يوضح كيف أدركت القوى المناوئة له ومن يدور في فلكها أن تمزيق الداخل أيسر من حرب أخرى، وأن السيطرة على الوعي أخطر من السيطرة على الأرض.
ولعلّ أخطر أدوات هذا الغزو الناعم أسلحة لا يُسمع لها دويّ، لكن نتائجها أشد فتكاً من الرصاص، ومنها:

أولاً: الإحباط واليأس.

حين تربّى الأجيال على أنّ المستقبل مظلم، وأنّ كل محاولة إصلاح مصيرها الفشل، تموت روح المبادرة في النفوس، ويتحوّل اليأس إلى قناعة جمعية. وحين يستيقظ الشاب العراقي مقتنعاً أن لا مستقبل له، وأن كل باب يطرقه موصد أمامه، فإنه سرعان ما يفقد الرغبة في الإصلاح أو المبادرة، ويتحوّل من فاعل إلى متفرج، ومن صاحب أمل إلى أسير انتظار. واليأس هنا لم يكن حالة نفسية فردية، بل أداة استعمارية صامتة تُقعد الإنسان عن خدمة وطنه، وربما تدفعه للهجرة أو الانزواء، وبهذا تُترك الساحة خالية أمام مشاريع الهيمنة.

ثانياً: الطائفية والتنافر المذهبي.

الفتنة الطائفية أخطر ما يمكن أن يُزرع في العراق، بعد أن امتاز عبر تاريخه بتعدد المذاهب والطوائف والأعراق، وهذا التنوع الاجتماعي والروحي من المفترض أن يشكّل ثروة لا تهديداً. غير أنّ تحويل هذا التنوع إلى جدار دموي هو أخطر ما يسعى إليه الغزو الناعم. فحين يُختزل الآخر في صورة العدو، ويتحوّل الخلاف المذهبي إلى هوية لأجل الصراع، يتشتت المجتمع وتضيع الأولويات، ويتحقق ما يريده العدو: عراق ممزق متناحر، لا يقوى على مواجهة أي مشروع خارجي. وليس من المصادفة أن كثيراً من التفجيرات التي استهدفت المساجد والحسينيات والكنائس كانت تهدف إلى تعميق الكراهية وإشعال الانقسام أكثر مما تهدف إلى تحقيق مكسب عسكري مباشر.

ثالثاً: التباغض والتحاقد المرجعي. 

ليس الاختلاف في المرجعيات الدينية والفكرية جديداً على واقع الشيعة، بل هو ظاهرة طبيعية على امتداد تاريخهم بعد الغيبة. لكن تحويل هذا الاختلاف إلى صراع أعمى قائم على الاتهام والتسقيط هو بلا شك مشروع تخريبي بامتياز. حين يُزرع في الأذهان أنّ كل مدرسة فكرية أو مرجعية فقهية تمثل خصماً يجب إسقاطه، تتصدع وحدة المجتمع الديني والسياسي، وتُستنزف طاقات الأمة في صراعات داخلية لا نهاية لها، بينما العدو الحقيقي يتفرج بارتياح.

خطورة هذا النوع من الغزو أنه يجعلنا نحارب أنفسنا بأنفسنا، ونستنزف قوانا في صراعات داخلية، بينما يتوارى هو خلف ستار الأحداث.

مواجهة هذا المشروع لا تبدأ الا من الوعي، ومن رفض خطاب الإحباط والفتنة، ومن الإيمان بأن وحدة العراق وتماسكه هما السدّ الأول أمام كل غزو، ظاهراً كان أم خفياً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *