خاص الاجتهاد: لم يكن الشهيد آية الله السيد محمد باقر الصدر مجرد أصولي بارز في امتداد السنّة الرائجة في الحوزات العلمية؛ بل كان مؤسساً لـ “مدرسة مستقلة في علم الأصول”، استطاعت عبر ابتكارات منهجية، ورؤية حضارية، وإعادة تعريف لوظيفة علم الأصول، أن تدخل مسار الفقه الشيعي في مرحلة جديدة.
إن دراسة الشخصيات المحورية في نشر أفكار الشهيد الصدر الأصولية، وتقريرات درسه، وخصائص مدرسته الأصولية، تُظهر أن هذه المدرسة الفكرية لم تؤدِّ فقط إلى التوسع الكمي للفقه، بل من خلال طرح “فقه النظريات” والعبور من الفقه ذي النظرة الجزئية، فتحت آفاقاً جديدة لارتقاء وظائف الفقه في مواجهة المسائل الكلية الاجتماعية، والسياسية، والحضارية.
وفقاً للاجتهاد، عُقدت الندوة العلمية بعنوان “خصائص مدرسة الشهيد الصدر الأصولية وقدرتها على تطوير الفقه وترقيته” بتقديم من أستاذ الحوزة والجامعة حجة الإسلام حسين زمانيان، وبجهود حوزة “مروي” العلمية وبالتعاون مع “دار القادة الدينيين الشباب”.
سعى الباحث في فكر الصدر، ضمن تعريفه بالشخصيات المحورية في نشر وتبيين أفكار وآراء الشهيد الصدر ودراسة التقريرات المختلفة لدرسه في الأصول، إلى تبيين أهم خصائص هذه المدرسة الأصولية ونسبتها إلى تطوير وترقية الفقه؛ المدرسة التي تعبر من “فقه الأحكام” وتطرح “فقه النظريات”، لتحول الفقه إلى علم استراتيجي للإجابة على المسائل البنيوية للمجتمع والتحرك نحو الحضارة الإسلامية.
وإليكم التقرير التفصيلي للندوة:
1- الشخصيات المحورية في نشر أفكار الشهيد الصدر الأصولية
فيما يخص الشهيد الصدر، الأمر هو أنه ما لم يتعرف الشخص بأصول فقه الشهيد الصدر، لا يمكنه أن يجد معرفة بمدرسة الشهيد الصدر الفكرية.
كان للمرحوم الشهيد الصدر تلامذة بارزون كثر، ولكن ثمة تلميذين محوريين وأساسيين يُعرفان بوصفهما ناشري أفكار الشهيد الصدر الأصولية، ولهما أهمية خاصة.
الأول، آية الله السيد كاظم الحائري، من مراجع التقليد الذي يرقد حالياً على فراش المرض، نسأل الله تعالى أن يمنّ عليه بالشفاء العاجل. لقد أصدر سماحته قبل عدة سنوات بياناً اعتزل فيه المرجعية وأرجع المقلدين وعموم الناس إلى سماحة قائد الثورة الإسلامية الإمام الخامنئي. وهذا الإجراء ينبع من أحد المباني الفكرية للشهيد الصدر الذي يعتبر المرجعية والقيادة كمؤسسة واحدة. وفي المجموع، يُعد آية الله الحائري أحد الناشرين الأساسيين لأفكار الشهيد الصدر الأصولية.
الثاني، آية الله السيد محمود الهاشمي الشاهرودي (ره)، الرئيس السابق للسلطة القضائية، والرئيس السابق لمجمع تشخيص مصلحة النظام وعضو فقهاء مجلس صيانة الدستور في إيران، والذي طرح لأول مرة أفكار الشهيد الصدر الأصولية بشكل جدي في الحوزة العلمية في إيران.
التقريرات الأصولية للشهيد الصدر “قدس سره”
نُشرت حتى الآن خمس تقريرات لدرس أصول الشهيد الصدر؛ وهناك تقريرات أخرى أيضاً قيد الدراسة والتحضير للنشر في مركز أبحاث الشهيد الصدر:
1– بحوث في علم الأصول، للراحل آية الله السيد محمود الهاشمي الشاهرودي.
2- مباحث الأصول، لآية الله السيد كاظم الحائري.
3- بحوث في علم الأصول، أثر عبد الساتر الشيخ حسن عبد الله، من علماء لبنان، والذي يُعرف أيضاً بعنوان “أصول في علم الوصول”.
4- مختارات في علم أصول الفقه، بقلم آية الله السيد محمد الصدر، المشهور بـ “الشهيد الصدر الثاني”.
5- جواهر الأصول، تأليف آية الله الأنصاري.
كان آية الله الهاشمي الشاهرودي أول شخص ينشر هذه التقريرات في إيران وأدخل المباحث الأصولية للشهيد الصدر إلى فضاء الحوزة العلمية في إيران.
خصائص التقريرات المختلفة
لتقرير آية الله الهاشمي الشاهرودي “ره” أهمية من جهتين:
الأولى، أنه كان أول تقرير يُنشر في إيران؛ الثانية، أنه نال تأييد الشهيد الصدر نفسه ويُعتبر “مُقَرَّراً” من وجهة نظره.
في المقابل، كتاب “مباحث الأصول” لآية الله السيد كاظم الحائري له ميزة خاصة؛ من جهة أنه كُتب بشكل أكثر تفصيلاً بكثير، ويقدم توضيحات أوضح وأبسط، ونُظم في سبعة مجلدات. في الوقت نفسه، الكلمات في بعض الأجزاء موجزة ومختصرة ولا توجد فيها تفسيرات إضافية؛ ومع ذلك، وبسبب التوضيح الأكثر الذي يقدمه، هو قابل للاستخدام بشكل أكبر للكثير من الطلاب. كذلك، كتاب “بحوث في علم الأصول” لعبد الستار الشيخ حسن عبد الله، بما أنه يُقال إنه تفريغ لصوت دروس الشهيد الصدر نفسه، فهو يمتلك قابلية أكبر للاستخدام لمن يريدون التعرف على لغة وألفاظ الشهيد الصدر نفسه.
الشهيد الصدر؛ “مدرسة” أصولية مستقلة
كلا التلميذين الأساسيين (آية الله الهاشمي الشاهرودي وآية الله الحائري) صرحا في آثارهما بأن الشهيد الصدر لم يكن تابعاً للمدارس السابقة، بل كان صاحب مدرسة أصولية مستقلة. لا يمكن وضعه تحت أي من المدارس الأصولية الموجودة؛ مدرسة الشهيد الصدر هي مدرسة منسجمة وفي الوقت نفسه مرتبطة بالسنّة الأصولية الشيعية.

2- خصائص مدرسة الشهيد الصدر الأصولية
مدعانا الأساسي هو هذا: مدرسة الشهيد الصدر الأصولية أدت إلى تطوير الفقه كما أدت إلى ارتقاء الفقه. سأوضح كيف تحقق هاتان النتيجتان، أي تطوير وارتقاء وظائف الفقه.
أصل كون الشهيد الصدر قد بنا مدرسة أصولية منسجمة ومستقلة ـ مرتبطة بالطبع بالسنّة الأصولية الشيعية ـ هو أمر مقبول.
السؤال الآن هو ما هي خصائص هذه المدرسة الأصولية؟
استُخرجت الخصائص السبع لمدرسة الشهيد الصدر الأصولية بشكل أساسي من مقدمة كتاب “بحوث في علم الأصول” للمرحوم آية الله الهاشمي الشاهرودي، واكتملت بنكات من “مباحث الأصول” لآية الله الحائري.
الميزة الأولى: الشمول والموضوعية
أول ميزة يذكرها المرحوم آية الله الهاشمي لمدرسة الشهيد الصدر الأصولية، طُرحت تحت عنوان “الشمول والموضوعية”.
ما المقصود من هذه الميزة؟
يعتقد المرحوم آية الله الهاشمي أن هذه المدرسة لها منطقها ونظرية معرفتها الخاصة، فلسفتها وكلامها الاختصاصي، ومنهج تدريسها الخاص. هذه هي الصورة الكلية لمدرسة الشهيد الصدر، بغض النظر عن الدخول في جزئيات المدرسة الأصولية.
بتعبير آخر، هذه الميزة الأولى يجب اعتبارها ميزة لكل المدرسة الفكرية للشهيد الصدر. هذه المدرسة لها نوع من الشمولية؛ بحيث إن أجزاءها مثل قطع “البازل” يكمل بعضها بعضاً. ويشير سماحته في التكملة إلى أن تعبير “الشمول والموضوعية” يشبه ذلك الشيء الذي يُستخدم عادةً بخصوص “الموسوعات”؛ أي تغطية كافة أبعاد موضوع ما بشكل منسجم.
يوضح الراحل آية الله الهاشمي الشاهرودي في مقدمة “بحوث في علم الأصول”، أنه من منظور الشهيد الصدر، المدرسة الفكرية مثل الدين، هي كلٌّ مترابط؛ مثلما أن المعارف الدينية أيضاً متكاملة ومعتمدة على بعضها البعض. هذا الكل له مفتاح، وهذا المفتاح في رؤية الشهيد الصدر هو علم أصول الفقه.
الميزة الثانية: استيعاب الفروض والإشراف على المسائل
الميزة الثانية التي طُرحت في كلمات آية الله الهاشمي تحت عنوان “الاستيعاب والإحاطة والإشراف”، تعني شمولية الإحاطة بكافة الفروض والاحتمالات لمسألة ما. هذه الميزة لها شباهة بالشمول، ولكن مع تفاوت دقيق سيتم توضيحه.
لفهم هذه الميزة، يكفي الرجوع إلى كتاب “الحلقات” للشهيد الصدر. في الحلقات وكذلك في التقريرات الأصولية الأخرى، عندما يدخل الشهيد الصدر في مسألة ما، يبحث كافة الاحتمالات والفروض الممكنة لتلك المسألة بدقة. ثم، لاختيار نظريته المختارة، يأتي بأدلة إيجابية لصالح وجهة نظره، كما يقدم أدلة سلبية لنقد ورد النظريات المنافسة. هذه الميزة، أي الجمع بين البعد الإيجابي والبعد السلبي في الاستدلال، تجعل البحث الأصولي يمضي بشكل كامل وناضج.
على سبيل المثال طُرح في علم الأصول، البحث المعروف بعنوان “التسامح في أدلة السنن”. إذا وردت رواية بخصوص استحباب عمل ما ـ مثلاً قراءة سورة خاصة ليلة الجمعة ـ ولكن سندها ليس معتبراً، يطرح هذا السؤال وهو هل يمكن العمل بمثل هذه الرواية أم لا؟ دليل القائلين بالتسامح هو روايات “مَنْ بَلَغَ”.
يطرح المرحوم الشهيد الصدر في تحليل هذه الروايات، أربعة احتمالات ويبحثها: هل هذه الروايات تدل على جعل الحجية لمطلق البلوغ؟ هل هي موضوع لجعل استحباب واقعي؟ هل هي إرجاع لحكم العقل في حسن الاحتياط؟ أو هي مجرد وعد مولوي لإيجاد الرغبة في القيام بالعمل؟
الشهيد يبحث كافة الاحتمالات الأربعة ويصل إلى تحليل نهائي. هذا الأسلوب هو نموذج واضح لذلك “الإحاطة والإشراف” الذي يذكره آية الله الهاشمي كأحد الخصائص الأساسية لمدرسة الشهيد الصدر الأصولية.
نموذج من الاستيعاب والإحاطة في المباحث الأصولية: كمثال، خذوا بعين الاعتبار بحث الإجمال بمعنى “المجمل والمبيَّن”. إذا رجعتم إلى “كفاية الأصول”، ترون هذا البحث قد طُرح في حدود صفحة واحدة؛ ولكن نفس هذا البحث إذا رأيتموه في “بحوث في علم الأصول” للمرحوم الشهيد الصدر، تشاهدون أي مقدار من الدقة والتتبع والتحليل قد بذله. المرحوم الشهيد الصدر يتجنب التفسيرات السطحية والتوضيحات غير الضرورية، ولكن في الوقت نفسه، يطرح الفروض والشقوق المختلفة للمسألة، ويضرب أمثلة فقهية واقعية، ويفعل شيئاً يجعل البحث يأخذ حقاً صورة البحث الأصولي الناضج والجلي.
الميزة الثالثة: الإبداع والتجديد
الميزة الثالثة لمدرسة الشهيد الصدر الأصولية، هي ما عبر عنه المرحوم آية الله الهاشمي الشاهرودي بـ “الإبداع والتجديد”؛ والإبداع هنا بمعنى الابتكار، والتجديد بمعنى التحديث والمعاصرة. لقد قام الشهيد الصدر بإعادة بناء وتحديث المباحث السابقة في علم الأصول برؤية جديدة، كما أدخل إلى العلم مباحث لم تكن مطروحة قبله أصلاً، أو كانت مجرد إشارات عابرة، فصاغها بشكل جدي وقدمها كابتكارات علمية حقيقية.
ويمكن اعتبار بحث “المجمل والمبين” نموذجاً جلياً لهذا المنحى. وقد بلغ اهتمام آية الله السيد كاظم الحائري بهذه الميزة حد التصريح بأن الشهيد الصدر نقل علم الأصول -أساساً- إلى مرحلة تاريخية جديدة. وبحسب تعبيره، إذا اعتبرنا لعلم الأصول أدواراً تاريخية (دورة عصر السيد المرتضى والشيخ الطوسي، دورة ما قبل الإخباريين، دورة ما بعد الإخباريين بمحورية الوحيد البهبهاني والشيخ الأنصاري، ثم دورة الأعلام الثلاثة وتلامذة الآخوند)، فإننا بوصولنا إلى الشهيد الصدر نكون قد دخلنا مرحلة جديدة يمكن تسميتها بـ “أصول الصدر”.
إن الشهيد الصدر لم يكتفِ بالبيان الخطابي أو تكرار المطالب السابقة؛ إذ يمثل “حساب الاحتمالات” المحور الأساسي لابتكاره، وهي النظرية التي تؤكد تصريحات السيد الحائري أنها نقلت العلم إلى مرحلة جديدة. فكثير من المسائل الأصولية مثل: حجية الخبر المتواتر، بحث الإجماع، وبحث السيرة -والتي كانت تُبحث باختصار ومحدودية قبل الشهيد الصدر- أخضعها (رضوان الله عليه) لمراجعة جذرية، وقدم لها مبنىً جديداً للاعتبار بناءً على حساب الاحتمالات.
وقد رأى من طالع آثار الشهيد الصدر كيف يُوظف هذا المبنى في بحث الخبر المتواتر وتحليل الإجماع وإحراز السيرة؛ حيث وضع خطوات دقيقة لإحراز السيرة وأدخل حساب الاحتمالات في هذا المجال بشكل فني تخصصي. كما تُعد مباحث مثل “الاستقراء” وإمكانية الوصول إلى الحكم أو النظرية من خلاله، ومسلك “حق الطاعة”، وبحث “التزاحم الحفظي” في الأحكام الظاهرية، كلها من الابتكارات الهامة للشهيد الصدر.
لقد وصل حجم الابتكار لديه إلى درجة أن البعض حين أرادوا الإشكال على كتاب “الحلقات” وتساءلوا: لماذا لم يأخذ هذا الأثر مكانه كاملاً في الحوزة؟ كان الجواب: “بسبب كثرة ما فيه من تجديد”. وبحسب تعبيرهم، فإن الحجم الهائل للابتكارات أوجد نوعاً من القطيعة مع السنّة الأصولية الرائجة، فلم يتحقق الربط الذهني لدى الكثير من الطلاب مع الهيكلية السابقة، وهذا بحد ذاته يشهد على عمق وجدية التجديد في مدرسة الشهيد الصدر.
الميزة الرابعة: المنهجية والتنسيق
الميزة الرابعة التي يذكرها آية الله الهاشمي الشاهرودي لمدرسة الصدر هي “المنهجية والتنسيق”؛ أي النظام المنهجي والتناغم الهيكلي. ولفهم هذه الميزة، يمكن الإشارة إلى ما وصف به قائد الثورة الإسلامية المرحوم آية الله النائيني بأن لديه “ذهنية هيكلية”. كما كان السيد الهاشمي يصف النائيني بـ “المهندس”؛ لأن الكثير من مباحثنا الحقوقية والأصولية مدينة لتلك الهيكلة والتقسيمات الدقيقة التي وضعها.
ورغم كل جهود النائيني وسلفه، أحدث الشهيد الصدر تحولاً أساسياً في هذا المجال أيضاً. فتلك الذهنية الهيكلية -بتعبير القائد- تجلت في رؤية الشهيد الصدر بشكل لافت وجذري. وللتمثيل، يكفي النظر إلى “الحلقات” وفحص التدوين الجديد الذي قدمه لعلم الأصول؛ فحتى مراجعة فهرس الحلقات تُظهر كيف دخل العلم بمخطط منسجم.
يعرف الشهيد الصدر علم الأصول بأنه: “علم العناصر المشتركة في عملية استنباط الحكم الشرعي”. وقد جعل هذا التعريف محوراً؛ وهو التعريف الذي يقدم -بتعبيره- ضابطة ومعياراً واضحاً لتمييز مسائل علم الأصول عن غيره من العلوم، وبناءً عليه قام بتنظيم هيكلية العلم وأبوابه.
ففي رأيه، إذا أردنا تحديد البحث الأكثر جذرية في علم الأصول، يجب أن نبدأ ببحث “حجية القطع”؛ لأن في الفقه أسلوبين استدلاليين: الأول يسعى لإحراز الحكم الواقعي (ويسميه الآخرون بـ “الدليل الاجتهادي”)، والآخر أسلوب الأصول العملية التي تحدد الوظيفة العملية للمكلف (ويُعبر عنه بـ “الدليل الفقاهتي”). والعنصر المشترك بين كل هؤلاء هو القطع وحجيته.
لذلك، يجب أولاً توضيح بحث حجية العلم والقطع، ثم الانتقال إلى الأدلة الاجتهادية؛ وفي الأدلة الاجتهادية يتم الفصل بين الدليل الشرعي والدليل العقلي، وفي الدليل الشرعي يُطرح بحث الدلالة وإثبات الصدور، ثم يأتي الدور للأصول العملية، وفي الختام بحث تعارض الأدلة. والنتيجة هي تقديم هيكلية منسجمة لعلم الأصول؛ هيكلية توفر إشرافاً كلياً على كافة المباحث كأنها “خارطة جوية”.
وعلى خلاف الكثير من الكتب الأصولية التي تقذف الطالب منذ البداية في مباحث مشتتة فلا يدري ما فائدة هذا البحث وأين موقعه، يصرح الشهيد الصدر بأنه كتب “الحلقات” بمنهج تعليمي؛ أي يجب أن يكون منطق المباحث جلياً، وكل بحث يجد مكانه في “لغز” علم الأصول الكلي.
وقد سحب هذه الرؤية على الفقه أيضاً؛ حيث أوضح آية الله الشاهرودي في كتاب “المدخل إلى علم الفقه” أن الفقه الموجود يعاني أيضاً من نوع من التشتت وفقدان التنسيق. فعلى سبيل المثال، بحث “ولاية الفقيه” الذي له ماهية سياسية ويرتبط بالفقه العام، يُطرح في الكتب الفقهية ذيل أبواب المعاملات أو النكاح؛ وهو أمر محل تأمل من الناحية المنهجية. فإذا رُوعيت المنهجية والتنسيق، يجب بحث المباحث السياسية في مكانها المستقل، وإن كانت آثارها قابلة للاستخدام في أبواب أخرى.
إن هذه الذهنية الهيكلية والمنهجية المنسقة هي من أهم مميزات مدرسة الشهيد الصدر الأصولية.
الميزة الخامسة: المنطقية والوجدانية
الميزة الخامسة هي “المنطقية والوجدانية”؛ أي الجمع بين المنهج المنطقي العقلي والمنهج الوجداني. وتوضيح ذلك باختصار هو أنه في الكثير من المباحث الأصولية تُقدم استدلالات عقلية عميقة، لكنها أحياناً تبدو غير منسجمة مع الوجدان العرفي والارتكاز الأولي للإنسان.
فمثلاً في بحث “الوضع” والعلاقة بين اللفظ والمعنى، طُرحت نظريات متعددة: النظرية الذاتية، نظرية الاعتبار، نظرية التعهد (التي نقلها السيد الخوئي عن المحقق النهاوندي)، ونظرية “القرن الأكيد” للشهيد الصدر. نظرية التعهد وإن كانت قابلة للدفاع منطقياً، إلا أنها في نظر الشهيد الصدر لا تنسجم تماماً مع الوجدان العرفي. ويصرح بأن هذه النظرية وإن طُرحت للفرار من إشكالات نظرية الاعتبار، إلا أنها توقع الإنسان في إشكالات أعمق (من حفرة إلى بئر) وتجره إلى تحليلات تتنافى مع الفهم الوجداني والعقلائي.
إن فن الشهيد الصدر يكمن هنا في تقديم تحليل لا يتصادم مع الوجدان والفهم العرفي البسيط، وفي الوقت ذاته يتمتع بالاستحكام العلمي والتحليلي.
الميزة السادسة: الذوق الفني والحس العقلائي
تتمثل هذه الميزة في ضرورة تمتع الفقيه والأصولي بذوق علمي وفني، وأن يراعي الجوانب العقلائية في بيان نظرياته. فلا يكفي مجرد التعقيد الفلسفي أو التحليلات التجريدية التي لا يستطيع العقل الجمعي مواكبتها.
الشهيد الصدر، مع تشخيصه الدقيق لـ “لبّ” المسائل، يمتلك القدرة على الإقناع وتوضيح النظرية. فمثلاً في بحث “التسامح في أدلة السنن”، لا يكفي مجرد ادعاء ظهور روايات “من بلغ”، بل يجب تحليل منشأ هذا الظهور. وميزة مدرسة الشهيد الصدر أنها إذا وصلت إلى نتيجة، لا تكتفي بمجرد الادعاء، بل تبين بوضوح الأسس والمناشئ التي ولدت تلك النتيجة.
إن مجرد القول بأن «الألفاظ ظاهرة في الأعم» لا يحل المسألة بحد ذاته. لقد كانت ميزة المدرسة الأصولية للشهيد الصدر تكمن في أنه إذا توصل بذوقه العلمي إلى فهم معين، ملك القدرة على تبيين ذلك الفهم وإقناع الآخرين به؛ بمعنى أنه لم يكن يكتفي بمجرد الادعاء، بل كان يعمد إلى تحليل منشأ وجذر ذلك الظهور، كاشفاً عن كيفية تشكله ومصدر انبعاثه.
الميزة السابعة: النظرة الحضارية
أما الميزة الختامية -وهي هامة جداً ولعلها أصل بحثنا- فهي ما عبر عنه آية الله الهاشمي الشاهرودي بـ “القيمة الحضارية لمدرسة السيد الشهيد الصدر”.
يحتاج طالب العلم اليوم إلى الشهيد الصدر. وبتعبير بعض الأساتذة، فإن “طالب ما بعد الثورة الإسلامية” يحتاج بشكل خاص إلى الشهيد الصدر؛ ومن الضروري أن يتآلف مع فكره وينسجم مع مدرسته ويتابع تحصيله في إطار هذا البيت الفكري.
وسبب هذه الحاجة واضح؛ لأن مدرسة السيد محمد باقر الصدر ليست مدرسة نظرية بحتة منزوية في زوايا الحجرات. فأساساً لم يكن الشهيد الصدر يسعى لتطوير العلم من الحيثية النظرية فقط، بل كان هدفه الأساسي هو “إقامة الدين”، وأفقه الفكري هو تحقيق “الحضارة الإسلامية”.
بداية أصول الفقه من الأفق الحضاري بنفي الرؤية العلمانية
هذا الاختلاف الجذري يظهر منذ بدايات علم الأصول في مدرسة الشهيد الصدر. فالأصوليون الآخرون عادة ما يعرفون الحكم الشرعي بأنه: “خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين”.
لكن الشهيد الصدر يقلب هذا التعريف ويقول: الحكم الشرعي هو “التشريع الصادر من قبل الله لتنظيم حياة الإنسان في مختلف أبعادها”. ثم يصرح بأن هذه الأبعاد ليست عبادية أو فردية فحسب، بل تشمل الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعائلية. الشهيد الصدر يبدأ أصول الفقه من هذه النقطة بالضبط؛ أي بداية الأصول من الأفق الحضاري ونفي الرؤية العلمانية. وهذه البداية فريدة تماماً.
لاحظوا أن المسألة لا تُطرح في منتصف المباحث الأصولية، بل في بداية تعريف الحكم الشرعي في “الحلقات”، وتحديداً في الحلقة الأولى. إن الطالب الذي يتربى في هذه المدرسة، من المستبعد جداً أن يكون “ضد الثورة” بالمعنى الحقيقي للكلمة؛ لأن الثورة بمعناها الجذري هي الحركة نحو الحضارة الإسلامية. وبتعبير قائد الثورة، نحن نواجه سلسلة من خمس مراحل: (الثورة الإسلامية ← النظام الإسلامي ← الدولة الإسلامية ← المجتمع الإسلامي ← الحضارة الإسلامية).
الشهيد الصدر يتحرك بهذا المنطق وهذا الأفق منذ بداية علم الأصول. إنه يريد القول بأن الإسلام والمعارف الإسلامية ليست مجرد مجموعة مطالب للقراءة في الحجرات، بل جاء الإسلام ليحل مشكلة الإنسان المعاصر؛ فالدين ليس مجموعة أوامر بلا روح وتجريدية، بل وظيفته تنظيم حياة الإنسان.
لهذا السبب، ترى هذه الرؤية منذ بدايات آثار الشهيد الصدر؛ سواء في بحث السنن التاريخية في “المدرسة القرآنية” أو في بقية مباحثه التحليلية. وهذا الفهم ليس مجرد انطباع شخصي لي، بل هو انطباع آية الله الهاشمي الشاهرودي الذي كان يؤكد على القيمة الحضارية لمدرسة الشهيد الصدر؛ وهي القيمة التي تجعله فعالاً ومفيداً جداً لطالب اليوم.
النظرة الواقعية في الأفكار (الميزة الثامنة)
الميزة الهامة الأخرى، والتي يمكن عدّها ميزة ثامنة، هي “النظرة الواقعية” في طرح الأفكار؛ فقهياً وأصولياً. فعلى سبيل المثال في الفقه، حين يتناول موضوع البنك في كتابه “المعاملات التأسيسية”، يبدأ جزءاً من بحثه بعنوان مثل “واقعية البنك”؛ وهذا يظهر أنه يحلل الموضوع عينياً وواقعياً قبل كل شيء. وفي علم الأصول أيضاً، حين يعرف العلم، لا يقدم تعريفاً غريباً عن علم الأصول الموجود، بل يسعى لتبيين هذا العلم الموجود بشكل يوضح حقيقته ويتناول واقعيته.

نماذج من فاعلية رؤية الشهيد الصدر في تطوير الفقه
يطرح الشهيد الصدر بحثاً تاريخياً مفاده أنه مع ظهور وتطور علم الحديث، وُلد علم الفقه من رحمه، ثم خرج علم الأصول من بطن علم الفقه. لكنه يؤكد أن هذه العلاقة ليست ذات اتجاه واحد؛ أي لم يكتفِ الفقه بمساعدة الأصول على النمو، بل إن علم الأصول يساعد على تقدم الفقه أيضاً. إنه “تفاعل” وتبادل ثنائي؛ فبقدر ما يتقدم علم الأصول، يترقى علم الفقه. وبناءً عليه، إذا كان الشهيد الصدر -بتعبير السيد الحائري- قد أدخل علم الأصول في مرحلة جديدة، فمن الطبيعي أن تتوسع المباحث الفقهية وتجد المسائل الفقهية المستحدثة فرصة للبروز.
فهم الشهيد لمعنى “السيرة” كنموذج لتطوير الفقه
لتقريب البحث، نذكر نموذجاً لابتكاره في الفقه. ففي بحث “السيرة” (سيرة العقلاء أو المتشرعة)، لديه ورود بديع، بحيث أن أي شخص يريد الحديث عن السيرة بعده يجد نفسه مضطراً للرجوع إلى مباني الشهيد الصدر. إنه يطرح هذا السؤال: حين نقول أن السيرة يجب أن يُمضيها الشارع، فما هو الشيء الذي يُمضى؟ هل هو السلوك الخارجي أم “الارتكاز” الذهني الذي هو منشأ ذلك السلوك؟
يرى الشهيد الصدر أن “الارتكاز” هو ما يُمضى. وهذا المبنى يفتح باباً جديداً لاستخدام السيرة في المسائل الحديثة، والادعاء بأن الموضوع الجديد هو مصداق لذلك الارتكاز المقبول سابقاً. فمثلاً في مسألة “الحقوق المعنوية”، تتيح هذه الرؤية الاستفادة من السيرة بشكل فني واستدلالي. ومن هنا أشكل على رؤى مثل رأي المرحوم الأصفهاني (“الشارع رئيس العقلاء”)، وهذا البحث في السيرة يفتح آفاقاً جديدة في تطوير علم الفقه.
العبور من “فقه الأحكام” إلى “فقه النظريات”
نقطة أخرى في خدمة ارتقاء الفقه هي بحث “مقاصد الشريعة”. ورغم أن الشهيد الصدر لا يستخدم هذا التعبير صراحة، إلا أنه يدفع بالفقه من حيز “فقه الأحكام” نحو “فقه النظريات”. تعبيره هو: “من فقه الأحكام إلى فقه النظريات”. وبتعبير اليوم، يمكن القول أن مرحلة من الفقه كانت “الفقه الفردي” (الأحكام)، والمرحلة الأخرى هي “فقه النظريات”.
وهذه النظرة تمتد جذورها إلى رؤيته الأصولية؛ فإذا اعتبرنا الحكم الشرعي منظماً لحياة البشر، فلن يكفي “الحكم” بالمعنى المصطلح في الأصول، بل نحتاج إلى “النظرية”.
ولكن ما هو فقه النظريات؟ في المجال الاقتصادي مثلاً، خلاصة كلام الشهيد الصدر هي أنه لإدارة المجتمع بالفقه وحل مشاكله، لا يمكن الاكتفاء بالأحكام الجزئية المنعزلة، بل نحتاج لفقه النظريات. فعلى سبيل المثال: بأي ضابطة يجب توزيع الموارد الطبيعية؟ ما هي نظريتنا في الإنتاج؟ ما هي نظريتنا في النقد (المال)؟ ما هي نظريتنا في البنك؟ هذه لم تعد “أحكاماً” (حلال أو حرام لفعل محدد)، بل هي “نظريات”. السؤال ليس “هل استخدام البنك جائز أم لا؟”، بل “ما هي نظرية البنك لديكم؟”. الشهيد الصدر علمنا هذا النمط من التفكير، وكل من خطا في هذا المضمار بعده، أقر بذلك أم لم يقر، فقد نهل من المائدة الواسعة التي بسطها الشهيد الصدر.
أسئلة وأجوبة
س: ما هي علاقة “فقه النظريات” عند الشهيد الصدر بـ “مقاصد الشريعة”؟ وما هو وجه الارتباط بين بحث “المؤشرات العامة” الذي طرحه الشهيد وبين المقاصد؟
د. زمانيان: طرح الشهيد الصدر بحث “المؤشرات العامة” في موضعين: أحدهما في بحث “السنن التاريخية”، والآخر في كتاب “الإسلام يقود الحياة”. إن لرؤيته تمايزات واضحة عن بحث “مقاصد الشريعة” المتداول في كلمات علماء العامة، ولا يمكن اعتبار الشهيد الصدر فقيهاً “مقاصدياً” على نسق فقهاء أهل السنة.
النقطة الجوهرية هنا هي ضرورة تحليل مفاهيم مثل “فقه النظريات” أو “المؤشرات العامة” عند الشهيد الصدر ضمن إطار منظومته الفكرية، والتي يُعد “منطقة الفراغ” أحد أركانها الأساسية. فالشهيد الصدر يطرح هذه المفاهيم ناظراً بها عمدًا إلى حيز “منطقة الفراغ”؛ أي إن المؤشرات العامة وفقه النظريات تُستخدم أساساً لاستنباط الحكم في دائرة منطقة الفراغ، وكذلك لتحصيل فهمٍ متجدد للنصوص (مستفيداً من تعبيره الرشيق “إشعاع النصوص”). أما في فقه المقاصد عند أهل السنة، فتُستخدم المقاصد أحياناً كدليل مباشر ومستقل لإثبات الحكم، وهو مسلكٌ لا يرتضيه الشهيد الصدر، ومن هنا تبرز الفوارق الجوهرية بين المنهجين.
س: يرجى التفضل بتقديم عرض إجمالي لآثار ومؤلفات الشهيد الصدر.
د. زمانيان: يمتلك “مركز أبحاث الشهيد الصدر” موقعاً إلكترونياً يمكنكم الوصول إليه عبر محركات البحث، حيث وُضع تعريفٌ وافٍ لكل كتاب هناك. كما تتوفر كتب مفصلة تتناول سيرة حياته، مثل كتاب “السيرة والمسيرة” باللغة العربية، وكتاب “شرح صدر” باللغة الفارسية.
أما إذا أردتم مراجعة الآثار التي تناولت فكره بشكل تفصيلي، فقد أُنجزت أعمال متنوعة في هذا الصدد؛ كأعمال الأستاذ بهمني في مجال التفسير الموضوعي عند الشهيد الصدر، أو مؤلفات الأستاذ رضا إسلامي حول بعض مبانيه الأصولية (مثل بحث الحكم الظاهري). كما صدرت شروح متعددة لكتابه “الحلقات”، ومنها شرح الأستاذ الإيرواني. وفي الحقل الاقتصادي، هناك كتب عديدة تُرجمت (مثل “اقتصادنا” و “البنك اللاربوي”)، بالإضافة إلى ما كُتب من شروح وتكملات على آثاره. وبشكل عام، فإن الرجوع لموقع مركز أبحاث الشهيد الصدر سيكون خير مرشد لكم.
الاجتهاد موقع فقهي