خرید فالوور اینستاگرام خرید لایک اینستاگرام قالب صحیفه
الرئيسية / خاص بالموقع / 22 تقرير خبري خاص / قراءة فكرية لدور العلماء في صياغة الهوية الدينية والوطنية والسياسية لإيران المعاصرة
الثورة الإسلامية في مشهد

قراءة فكرية لدور العلماء في صياغة الهوية الدينية والوطنية والسياسية لإيران المعاصرة

خاص الاجتهاد: لم تكن الثورة الإسلامية في مشهد مجرد وليدة انفجار سياسي عابر؛ بل ضربت جذورها في الطبقات العميقة لتاريخ خراسان، واستمدت كينونتها من السُّنة الحوزوية العريقة لعلماء الدين الذين اضطلعوا تاريخياً بدور الحارس الأمين للهوية الدينية والاستقلال الفكري للشعب.

إن قراءة مكانة حوزة مشهد العلمية، ودور البيوتات العلمائية العريقة، والمقاومة الصامتة والعلنية لرجال الدين، وتأثير التراث الخراساني العالمي في اليقظة الشيعية، تؤكد أن مشهد كانت أحد المحاضن الأساسية لتكوين الفكر الثوري.

التقرير التالي هو حصيلة ندوة تخصصية تحت عنوان: «تحليل دور علماء خراسان في الثورة الإسلامية»، والتي عقدتها “مؤسسة تراث الفقاهة بخراسان” (مؤسسه علمی، پژوهشی و فرهنگی میراث فقاهت خراسان)، بحضور جمع من أساتذة وطلاب حوزة خراسان العلمية. يستند محتوى المباحث إلى سنوات من الدراسات الميدانية، وتحقيقات الأنساب، وتمحيص الوثائق التاريخية في الهند وإيران، إضافة إلى التجربة الحية للأستاذ الدكتور غلام رضا جلالي، الباحث في تاريخ الثورة الإسلامية من قلب الحوزة العلمية في خراسان، نضعها بين أيدي القراء الكرام.

سنّة علماء خراسان: الركيزة الأصلية للثورة
لطالما كانت مشهد مهداً لبيوتاتٍ علمية حملت لجيل بعد جيل راية المعرفة الدينية، وحافظت على الثقافة الشيعية، وكانت واسطة العقد في نقل الهوية المذهبية إلى الجماهير. وخلافاً للصورة النمطية السائدة التي تختزل الدور المحوري لعلماء الدين في عقد السبعينيات فقط، فإن الأرضية الخصبة للثورة في مشهد تشكلت عبر هذا المسار التاريخي الطويل. تلك العوائل العلمائية، سواء في المناطق المحيطة بالحرم المطهر أو في الأحياء القديمة (مثل “بالاخيابان”)، مثلت حلقة الوصل بين التدين والحياة الاجتماعية عبر تواصلها المستمر مع الناس.

تُظهر الأبحاث التاريخية وتحقيقات الأنساب أن الكثير من هذه الأسر العلمية لعبت دوراً مستداماً في تربية كبار الفقهاء منذ العهدين القاجاري والصفوي وحتى يومنا هذا. إن هذه الجذور الأسرية، مقرونة بالروابط الشعبية الوثيقة، مكّنت العلماء من الاضطلاع بدور “المرجعية الاجتماعية” في المنعطفات الثورية؛ وهو دورٌ لم يكن ليتأتى إلا من خلال الرصيد التاريخي من ثقة الناس، لا عبر الأنشطة السياسية العابرة.

حوزة مشهد وتربية الجيل الممهد للتحول
شكلت العقود الوسطى من القرن الرابع عشر الهجري الشمسي حقبةً ذهبية لحوزة مشهد؛ حيث تحولت بفضل حضور قاماتٍ شامخة مثل آية الله الميلاني وغيره من كبار العلماء، إلى مركزٍ للتربية الفكرية للجيل الشاب. في هذه الحوزة، لم يكن العلم يُقدّم في قالب الدروس والفقه فحسب، بل كان الزهد، والمراقبة، والتضرع، والاتصال الدائم بعالم المعنى، جزءاً لا يتجزأ من الهيكل التربوي. لقد واجه العديد من الطلاب الناشئين — الذين أضحوا لاحقاً من رواد الثورة والتیارات الفكرية — في هذه المدارس وجوهاً علمائية لم تكن ترى فصلاً بين الإيمان والسياسة.

هذه التربية مهدت لظهور جيلٍ يمتلك — إلى جانب الضلاعة الفقهية — قدرةً عالية على تحليل الظروف السياسية والاجتماعية. إن انفتاح الطلاب على الأفكار المختلفة، وحضورهم في المحافل الثقافية، واطلاعهم على الكتب والرسائل السياسية، جعل حوزة مشهد — خلافاً للتصور العام — تعيش مخاض يقظة تدريجية منذ سنوات طويلة سبقت الثورة.

التدين والاستقلال: مفاهيم جوهرية في فكر علماء خراسان
من السمات البارزة لعلماء مشهد هو الربط الوثيق بين التدين والاستقلال السياسي. تُظهر دراسة الوثائق وحوارات العلماء ومشاهدات الناشطين في تلك الحقبة، أن علماء خراسان لم ينظروا إلى “الاستقلال” كمطلب سياسي فحسب، بل اعتبروه “واجباً دينياً”. إن التحذيرات التي كان يطلقها كبار الحوزة في سنوات ما قبل الثورة — ومنها أن المجتمع إذا ابتعد عن الدين فسيخسر استقلاله — لم تكن مجرد مواعظ أخلاقية، بل كانت تحليلاً دقيقاً مستمداً من التجربة التاريخية.

هذه الرؤية دفعت العلماء لاتخاذ موقفٍ مبدئي تجاه سياسات النظام البهلوي التي سعت لفصل الدين عن المجتمع؛ إذ أدركوا تماماً أن إضعاف المعتقدات الدينية هو التمهيد الحتمي للهيمنة الثقافية والسياسية. وبناءً على ذلك، وحتى في أحلك فترات الضغط الأمني، صمدت حوزة مشهد على استقلالها ورفضت خضوع هيكلها الفكري للتوجيهات الحكومية.

مخططات النظام البهلوي وصمود حوزة مشهد
في عهد البهلوي الثاني، لم تقتصر استراتيجية السلطة تجاه الحوزات على القمع المباشر، بل بدأت بمحاولة تحويلها إلى مؤسسات تابعة. وكان إنشاء “جيش الدين” (سپاه دین) إلى جانب “جيش العلم”، واستقطاب بعض الأساتذة للتدريس الحكومي، والتخطيط لتقسيم العلماء إلى طيفين (تابع ومستقل)، جزءاً من هذا المخطط الذي استهدف إيجاد شرخ في جسد العلماء ورجال الدين والسيطرة التدريجية على الحوزة. إلا أن حوزة مشهد لم تنجرف مع هذا التيار، ولم ينجح النظام — لا عبر الترغيب ولا الترهيب — في كسر الهيبة التاريخية للعلماء. فشل المرحلة الأولى من المخطط دفع السلطة للمرحلة الثانية وهي تشديد القمع الأمني، ومع ذلك، بقيت الحلقات العلمية والجلسات الفكرية نشطة — ولو بشكل سري ومحدود — ولعبت دوراً محورياً في نقل رسائل الثورة.

السياسة المعقدة والأدوار الخفية للعلماء
تتميز تاريخ خراسان بوجود علماء لم تكن سياستهم تطفو دائماً على السطح. تشير الوثائق والروايات المعتبرة إلى أن بعض العلماء الذين كانوا يُصنفون في النظرة العامة كقريبين من السلطة، كانوا في الواقع يلعبون أدواراً خفية في دعم الثورة. هؤلاء الأشخاص، وعبر الحفاظ على مظهر من التعامل مع السلطة، كانوا في اللحظات الحساسة وسيطاً لإنقاذ الطلاب والناشطين السياسيين، والحيلولة دون اتساع رقعة القمع.

في مشهد، تبرز نماذج مثل آية الله الميرزا أحمد الكفائي أو آية الله الميرزا حسين الفقيه السبزواري، لتؤكد أن أي تحليل لتاريخ خراسان دون الالتفات إلى “الطبقات التحتية” لسياسة هؤلاء العلماء سيكون تحليلاً ناقصاً. هذه التجارب، خاصة في الفترات العصيبة، مكنت حوزة مشهد من عبور ضغوط السلطة والحفاظ على النواة الصلبة للمقاومة الفكرية في آنٍ واحد.

التيارات الفكرية في مشهد وعلاقتها بالثورة
شكلت مشهد في العقود التي سبقت الثورة بيئة حاضنة لمجموعة متنوعة من التيارات الفكرية. انضوى جزء من هذه التيارات تحت لواء النشاط الثوري للحوزة، حيث عملت عبر التوعية والتحليل الاجتماعي على إعداد الجماهير للحراك الكبير. وكان لشخصيات مثل قائد الثورة المعظم (آية الله الخامنئي)، وآية الله واعظ طبسي، وآية الله السيد عبد الكريم هاشمي نژاد، دور مشهود من خلال خطاباتهم ونضالهم في المجالات الثقافية والسياسية، مما ترك أثراً بالغاً في المجتمع، بل وتحدى النظرة الدونية التي كانت تروج لها وسائل الإعلام الأجنبية تجاه إيران آنذاك.

وإلى جانب هذه التيارات، كانت هناك مجموعات سلكت مسارات مغايرة بابتعداها عن المرتكزات الحوزوية. فرغم الجاذبية الاجتماعية التي حظيت بها بعض التيارات “المستنيرة” في البداية، إلا أنها سرعان ما تعثرت أو أصيبت بالتيه الفكري نتيجة افتقارها للارتباط بالأصالة العلمية لخراسان. لقد أثبتت تجربة تلك العقود أن ما ضمن استدامة التيار الرئيسي للثورة في مشهد هو اتصاله بالسنّة الحوزوية العريقة وثقة الناس التاريخية بالعلماء.

نماذج الصمود: من آية الله مرواريد إلى الحلقات العلمية السرية
عند قراءة دور علماء مشهد، لا يمكن إغفال المواقف النوعية التي قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها كانت عميقة الأثر في بنية المقاومة. ومن ذلك موقف آية الله مرواريد عام 1977م، حين اعترض على توزيع الهدايا والطرود الحكومية على الطلاب، معتبراً ذلك إهانة لاستقلال الحوزة. وتكشف وثائق “الساواك” أن هذا الموقف حمى حوزة مشهد من التحول إلى مؤسسة تابعة للسلطة. وإلى جانب ذلك، لعبت الجلسات العلمية والفكرية التي كانت تُعقد في البيوت أو المدارس دوراً أساسياً؛ إذ كانت محاضن لنقل الرسائل الثورية، والتربية الفكرية، وتحليل الوضع السياسي، ومن رحم هذه الجلسات تخرجت الطليعة الفكرية للثورة.

الآفاق العالمية لخراسان وأثرها في هوية الثورة
تؤكد الأبحاث التاريخية أن الإرث العلمي لخراسان ومشهد امتد إلى ما وراء الحدود الإيرانية. إن دور علماء مشهد في تأسيس الهياكل الشيعية في جنوب الهند، والتأثيرات الثقافية الصفوية في منطقة “حيدر آباد”، ونفوذ المفاهيم الخراسانية في الثقافة الشيعية بجنوب آسيا، يمثل جزءاً أصيلاً من هذا الإرث العالمي. هذا الامتداد الحضاري جعل الثورة الإسلامية في المنطقة لا تُفهم بوصفها حراكاً سياسياً فحسب، بل كجزء من هوية تاريخية وحضارية شاملة.

إن ما تكشفه وثائق المكتبات في الهند ولندن يوضح أن الهوية الشيعية في أصقاع كثيرة من العالم صيغت تحت التأثير المباشر للتقاليد العلمية في مشهد؛ وهي التقاليد التي أضحت لاحقاً مصدر إلهام للثورة الإسلامية. كما كان من مفاخر علماء الشيعة، وعلماء خراسان تحديداً، قدرتهم على إيجاد وفاق بين القومية والديانة، وهو ما ترك أثراً دولياً مهماً، حيث نُشرت الكثير من الأفكار الإيرانية القديمة عبرهم، ومنها “الحكمة الخسروانية” للحاج الملا هادي السبزواري.

لماذا يُعد دور مشهد في الثورة فريداً من نوعه؟
إن مراجعة التجارب التاريخية، والبحوث الميدانية، والتحليلات الاجتماعية تُظهر أن الثورة الإسلامية في مشهد استندت إلى ركائز شُيدت عبر قرون، وهي:

الحضور المستدام للبيوتات العلمائية العريقة.

استقلال الحوزة والمقاومة ضد الهيمنة السياسية.

الربط بين التدين والاستقلال في فكر علماء خراسان.

الشبكة الواسعة من الحلقات العلمية والثقافية.

الأدوار الخفية والعلنية في دعم المناضلين.

الإرث الحضاري لخراسان في العالم الشيعي.

كل هذه العناصر جعلت من مشهد قطباً أساسياً في تكوين واستمرار الثورة؛ فهي المدينة التي صنع تراثها العلمي ماضي الثورة، وبإمكانه أن يوجه مستقبلها.

يُذكر أنه في مستهل هذه الندوة التخصصية، قدم حجة الإسلام الدكتور السيد محمد أمير أحمدي الطباطبائي، معاون الشؤون البحثية في “مؤسسة تراث الفقاهة بخراسان”، تقريراً عن أنشطة المؤسسة في إحياء تراث علماء خراسان والتعريف بآثارهم ونشرها.

 

المصدر: صحيفة “قدس” بالفارسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *