خاص الاجتهاد: في لفتة أخلاقية استحضرت سيرة كبار مراجع الطائفة وأساتذة الحوزة العلمية، كشف السيد محمد رضا السيستاني (دامت بركاته) عن وصية نادرة نقلها عن أستاذه السيد الخوئي (قده)، تدعو طالب العلم إلى الانشغال بالتحصيل المعرفي وتزكية النفس بعيداً عن بريق المظاهر وحب الجاه، محذراً في الوقت ذاته من ‘فخ التصنع’ الذي قد يسقط فيه الكثيرون في اختبار التواضع الحقيقي.
موعظة أخلاقية من السيد محمد رضا السيستاني (دامت بركاته) ذكرها في ختام جلسته العلمية الثانية في مقر مجلة (دراسات علمية) في النجف الأشرف، يوم الثلاثاء (٦ من شهر رمضان ١٤٤٧).
قال (دامت بركاته): قد طلب بعض الإخوة أن أختم هذه الجلسة المباركة بذكر ما يُنتفع به من سيرة علمائنا الأبرار (قدس الله أسرارهم) وأكتفي بذكر نموذج منها، سمعته من السيد الأستاذ (قده)، فقد كنت ذات ليلة متشرّفًا بالحضور في برانيه لأعرض عليه بعض استفساراتي حول ما أفاده في مجلس الدرس، وبمناسبة معينة ـ لا حاجة إلى ذكرها ـ طلبت منه (رض) أن يزودني بنصيحة أنتفع بها في مسيرتي الحوزوية، وكنت يومئذ شابًا في منتصف العقد الثالث من العمر، فسكت (قده) للحظات، ثم حكى لي الآتي..
قال: (كان أستاذنا الشيخ محمد حسين الأصفهاني {المعروف بالكُمباني}ـ وهو معروف لديكم، صاحب الحاشيتين العظيمتين على الكفاية والمكاسب، الذي عرف بدرجة عالية من التحقيق والتدقيق، بالإضافة إلى ملكاته الفاضلة الأخرى ـ يحضر قبل ظهر كل يوم بعض الوقت في براني الميرزا مهدي الخراساني، إحترامًا لأستاذه المحقق صاحب الكفاية (قده)، وكان موضع جلوسه بعيدًا عن صدر المجلس، متأخرًا عن ثلاثة أشخاص هم دونه بمراتب في المكانة العلمية وسائر الكمالات المعنوية.
وقد عزّ ذلك على محبيه وتلامذته، فصارحوه ذات مرة بذلك قائلين له: شيخنا لا يناسب شأنكم ومكانتكم العليا في العلم والدين أن يحجز هؤلاء لأنفسهم مكانًا في صدر المجلس، وتجلسون أنتم دونهم فيه.
فأجابهم (قده) قائلًا: إن المهام التي يتصدى لها العلماء أربعة: التدريس، وإمامة الجماعة، والإفتاء، والقضاء، وأسألكم إذا دار الأمر بيني وبين أي من هؤلاء للتصدي لأيٍّ من المهام المذكورة، فمن هو المقدم عند الفضلاء وأهل العلم عامة؟
فأجابوا: لا ريب في أن التقدم لكم.
فقال: إذن فما هي الأهمية في أن أجلس في صدر المجلس أو دون هؤلاء؟! لماذا يعنيكم هذا الأمر وتهتمون به؟! هذا إذا لوحظ الجانب الدنيوي في القضية، وأما إذا لوحظ الجانب المعنوي كما هو المترقب من أمثالنا فمن الواضح أنه لا ينبغي الاهتمام حتى بالتقدم والتأخر في التصدي للمهام المذكورة، فضلًا عن بعض المظاهر الثانوية التي لا تقدم ولا تؤخر).
هذا ما اختاره السيد الأستاذ (قده) أن يذكره لي في مقام النصح والتوجيه، ولعله أراد أن يقول: أنه ينبغي لطالب العلم أن يجعل محط اهتمامه هو التقدم في مدارج العلم وتزكية النفس، ولا يعير أهمية للمظاهر التي هي من شؤون حب الجاه والموقع والعنوان.
والحقيقة أن هذه نصيحة غالية، ويجدر بكل واحد منّا أن يحرص على تطبيقها، ولكن لا بدّ أن يراعي الأخذ بمقتضاها في مختلف تصرفاته، وإلّا أورَثَ سوءَ الظن به، وعُدّ متصنعًا، فإذا كان لا يتقيد عند الدخول في مجلسٍ بالجلوس في صدره، فليكن في هندامه وسائر حركاته وسكناته ولا سيما في تعامله مع الآخرين، وفي ردة فعله تجاه من يسيء إليه بغير حق حريصًا كل الحرص على الابتعاد عمّا يوهم كونه لغرض دنيوي. وهذا امتحان عسير لم ينجح فيه كثيرون.
نسأل الله تعالى أن يعيننا على أنفسنا، ويجنبنا الزلل والخطأ في القول والعمل، بمحمد وآله الطاهرين.
الاجتهاد موقع فقهي