الاجتهاد: قبل عشر سنوات، وتحديدًا في الثاني من يناير/كانون الثاني 2016، عند الساعة الثانية فجرًا، تلقيت اتصالًا هاتفيًا من صديق شاعر. كان صوته متهدّجًا، وقال: لقد فعلوها… أعدموا الشيخ النمر.
في تلك اللحظة، لم أفقد صديقًا أو رجل دين فحسب، بل خسر المجتمع صوتًا سياسيًا كان يؤكد على ضرورة المعالجات السياسية العميقة، متجاوزًا الحدود الجغرافية، ومنطلقًا من موقف مبدئي ثابت، دون أن يمارس في حياته أي أدوار ازدواجية.
انتقد الشيخ نمر باقر النمر السياسات السعودية الصادرة عن شخصيات في العائلة الحاكمة (آل سعود)، مستخدمًا الخطاب ذاته الذي وجّهه للنظام السياسي السوري آنذاك (نظام آل الأسد)، وكذلك للنظام السياسي في البحرين (آل خليفة). هذا الخطاب لم يكن مقبولًا لدى بعض الجهات السياسية الشيعية في حينه، لا بالضرورة لاختلاف في التقييم، بل لاختلاف في التوقيت، كما يبدو.
لم يكن الشيخ النمر يرتدي نظارات دينية أو سياسية انتقائية في مقاربته للظلم والفساد، مهما كان مصدره، حتى على الصعيد الاجتماعي. هذه الشخصية العابرة للحدود الدينية والاجتماعية والسياسية شكّلت خطرًا حقيقيًا على السلطة، إذ تمكّن، عبر خطابه، من تجاوز رجال الدين التقليديين (الوعّاظ)، ما أدى إلى تفكيك البنية الخطابية للإعلام والصحافة السعودية ومن يدور في فلكها. ولم يقتصر حضوره على الإطار التنظيري، بل كان حاضرًا في الشارع، يسير جنبًا إلى جنب مع المتظاهرين، معبّرًا عن رفضه لسياسات القمع الأمني.
لم يكن معارضًا سياسيًا ذا نزعة نرجسية كما هو حال بعض أقطاب المعارضة، بل كان تجسيدًا لصراع أعمق. تجاوز حضوره ذاته الفردية، ليصبح تجسيرًا سياسيًا للحظة تاريخية بلغ فيها الاحتقان الاجتماعي والسياسي ذروته، لا سيما بعد أحداث مقبرة البقيع في الرابع والعشرين من فبراير/شباط 2009، حين وقعت تجاوزات من قبل السلطة الدينية الوهابية، عبر استفزاز زوار المقبرة، وتصوير النساء، ما أدى إلى صدامات مع هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
واجه الشيخ النمر السلطة السياسية (العائلة الحاكمة آل سعود) من خلال نقد قراراتها الأمنية، ولا سيما اعتقالات أصحاب الرأي، والقضاء المُسيَّس الذي يُصدر أحكامًا سياسية مُعلّبة. ومن خلال خطابه، مارس تفكيكًا سياسيًا كشف فيه الثغرات الكامنة في الرواية الرسمية التي تتبناها السلطات السعودية عبر بيانات وزارة الداخلية. كما تناول التهميش الممنهج سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، وهو ما يفسر تكرار الاستدعاءات والتحقيقات معه، ومع ذلك واصل خطابه حتى النفس الأخير.
حوّل الشيخ النمر قضايا التهميش المتعددة إلى خطاب سياسي صريح، خالٍ من البراغماتية، كاشفًا عن اختلال التوازن في بنية الدولة: من يملك صناعة القرار السياسي والاقتصادي؟ أهي السلطة ذاتها أم جهات أخرى؟ هذا السؤال يفسر حساسية الصراع بالنسبة للسلطات السعودية.
فمن خلال خطابه، كشف الشيخ النمر زيف الادعاءات التي تصف السعودية بأنها دولة مواطنة لا دولة مذهبية، ولا تمارس تمييزًا طائفيًا، ولا تتعامل مع الشيعة بوصفهم ملفًا أمنيًا. ورفض حصر مفهوم الولاء في البعد السياسي، مؤكدًا انتماءه إلى البعد الديني والروحي، ليصبح فاعلًا سياسيًا مركزيًا يربط العدالة والكرامة بكل الشعوب، لا بالمواطنين فحسب.
واجه الشيخ النمر مقولة «الأمن أولًا»، معتبرًا أن غياب الحقوق هو التهديد الحقيقي لكيان الدول. هذا الطرح يندرج ضمن جدلية فلسفية معاصرة تناقش العلاقة بين الأمن والعدل، وأيهما يسبق الآخر. في المقابل، ترى الحكومة السعودية، ممثلة بالعائلة الحاكمة، أن كل مطالبة مدنية أو سياسية تمثل تهديدًا أمنيًا، وهو ما يفسر تصاعد القمع، وصولًا إلى معاقبة منشورات تنتقد الفقر أو الفساد في الشركات والمؤسسات الاقتصادية.
الخطأ الجوهري الذي لا يمكن تبريره تمثّل في محاكمة خطاب الشيخ النمر بوصفه فعلًا جنائيًا، وتحويل الرأي السياسي إلى جريمة يُعاقب عليها القانون. كان ذلك محاولة لتشويه الخطاب السياسي المعارض، وإعادة تثبيت سياسة قديمة مفادها أن الإعدام رسالة سياسية لكل من يتبنى هذا النهج. غير أن الشيخ النمر تحوّل، بإعدامه، إلى رمز سياسي صلب، وذاكرة سياسية لا تسقط بالتقادم.
لم يكن الشيخ نمر باقر النمر مجرد معارض سياسي أو رجل دين محتج، بل أصبح حالة سياسية عبّرت عن صراع أعمق بين المركز والأطراف، وبين منطق الأمن ومنطق الحقوق، وبين دولة تنظر إلى التعددية السياسية والاجتماعية والدينية بوصفها تهديدًا وجوديًا. ومن هنا، لم يكن التعامل معه تعاملًا مع فرد، بل مع معنى سياسي سعت السلطة إلى كسره، بل وإخفائه، كما أخفت جثمانه وجثامين من أُعدموا معه، في سياق لا يختلف عن ما جرى مع الصحفي جمال خاشقجي، حيث يُقدَّر عدد الجثامين التي لا يُعرف مصيرها بنحو مئتي جثمان.
ربط الشيخ نمر باقر النمر الدين بالكرامة والعدالة، لا بالطاعة السياسية، ما مكّنه من انتزاع احتكار التفسير الديني الوهابي المتحالف مع العائلة الحاكمة. إن استمرار سياسة الإعدامات لا يُنتج معالجة سياسية مستدامة، بل على العكس، كلما توسعت دائرة الإعدامات، اتسعت رقعة الغضب السياسي الكامن تحت الرماد.
كتبه: هاني العبندي
التاريخ: 2 يناير/ 2026
الاجتهاد موقع فقهي