خرید فالوور اینستاگرام خرید لایک اینستاگرام قالب صحیفه
الرئيسية / خاص بالموقع / 2 تقرير خبري / نحو علم كلام يتسع للأمة / د. الشيخ أحمد مبلغي
أحمد-عمر-هاشم-أحمد-مبلغي

نحو علم كلام يتسع للأمة / د. الشيخ أحمد مبلغي

الاجتهاد: أكد عضو مجلس خبراء القيادة، في قراءة تحليلية للمنحى الجديد للأزهر الشريف، أن العودة إلى علم الكلام بمنظور وجودي تمثل الطريق الحصري لتحقيق وحدة غائرة في جسد الأمة الإسلامية. وأوضح أن الاكتفاء بالتوصية بالمداراة الأخلاقية، أو حتى ما يُعرف بـ “فقه المداراة” – رغم ضرورتهما – لا يمتلك الكفاءة النهائية لإرساء وحدة إسلامية مستدامة.

ووفقاً للاجتهاد، فقد شدد الأستاذ أحمد مبلغي، عضو مجلس خبراء القيادة وممثل إيران في مجمع الفقه الإسلامي الدولي، خلال مراسم تكريم الدكتور “أحمد عمر هاشم” (العلامة البارز في عرين التقريب وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر)، على ضرورة التسامي فوق التوصيات الأخلاقية المحضة، والشروع في تأسيس مرتكزات كلامية صلبة تُبنى عليها الوحدة الإسلامية المنشودة.

أقيمت هذه المراسم في رحاب جامعة المذاهب الإسلامية، بحضور رئيس بعثة رعاية المصالح المصرية في طهران، وحشد من الشخصيات التقريبية والدولية؛ حيث اعتلى الأستاذ مبلغي المنبر كأحد المتحدثين الرئيسيين في هذا المحفل المهيب.

وفي استهلالية كلمته، وصف الأستاذ مبلغي الدكتور أحمد عمر هاشم بأنه شخصية انطلقت من مشكاة الوعي الكلامي والحديثي والفقهي لتصاغ رؤيتها بمسحة “مهدوية”. كما أعرب عن تقديره لجامعة المذاهب الإسلامية على مبادرتها المبتكرة في الاحتفاء بالشخصيات التقريبية المصرية، واصفاً هذه الخطوة بأنها لبنة أساسية في جسر التواصل بين علماء الأمة. 

وما يليه هو نص الكلمة التي ألقيت في ذلك المحفل المهيب، والتي انتظمت في شقين؛ خصص أولهما لمقدمة ضافية اكتسبت -بما حوت- كيانا موضوعيا مستقلا وأهمية ذاتية، بينما انصرف الشق الثاني لمعالجة أصل البحث المتعلق بالدور الجديد الذي يضطلع به الأزهر الشريف. ونحن إذ نضع بين أيديكم في هذا المنشور تلك المقدمة (الجزء الأول)، فإننا نرجئ نشر الجزء الثاني الخاص بصلب الموضوع إلى منشور آخر، مع الإشارة إلى أن النص المعروض قد خضع لشيء من التحرير والتهذيب.

لقد استقر في يقين الأعلام من سلفنا أن الخوض في لجج الكلام لا يفضي إلى شاطئ الوحدة، وأن ارتياد حقوله مسلك وعر قد لا يبلغ سالكه غاية الوئام. فكانوا يلمّون بالمجمَع عليه إلماحة خاطفة، ويجملون القول في المتفق عليه إجمالا عابرا، ثم يأوون على عجل إلى رحاب الأخلاق الفسيحة، وفقه المؤاخاة، وآداب الثقافة.

وكان مناط حجتهم في هذا الإعراض أن علم الكلام يشهر مواطن التمايز، ويضع الإصبع على دقائق الخصوصيات، وأن طرق هذا الباب قد يوقظ من سباتها نعرات غابرة، وينكأ جراحا تاريخية لم تندمل بعد. وما كانت تلك العقائد في جوهرها علة الشقاق، ولكن ظلال الماضي الكثيفة هي التي كانت تلقي على صفحتها وهج الخصومة وتلبسها رداء الحساسية الشائك.

ومن أجل هذا، طُوِي بساط الكلام -إلا في حيز ضئيل لا يسمن ولا يغني- ليفسح المجال لقائمة من المشتركات المقتضبة، ظنا منهم أنها أسلم طريقا وأقوم سبيلا.

فهكذا آثرنا السلامة الموهومة، واجتزأنا من هذا العلم العظيم قائمة باهتة من المشتركات المجملة، ثم هرعنا إلى التوصيات الأخلاقية والثقافية، كمن يضمد جرحا غائرا بلمسة حنان عابرة. لقد خشينا من أن يفتح الكلام أبوابا للشقاق، ونسينا أنه العلم الوحيد القادر على فتح باب الوجود على مصراعيه.

وهنا يكمن المأخذ الجوهري؛ فالفقه، على جلالة قدره، ينظم عالم الاعتبار، ويدبر شؤون الحياة العملية وفق منظومة شرعها الخالق. أما الوجود ذاته، وكيان “الأمة” بما هو حقيقة قائمة لا مجرد اصطلاح، فهذا لا يؤسس له إلا علم الكلام. إنه العلم الذي لا يسأل “ماذا نفعل؟” بل يسأل “مَن نكون؟”. وبدون إجابة وجودية على هذا السؤال، تظل كل الأفعال معلقة في فراغ.

من هنا، لا مناص من عودة مهيبة إلى علم الكلام؛ لا لاستعادة جدالات الماضي العقيمة، بل لتدشين ثورة كلامية جديدة، تعيد النظر في موضوعاتها، وتوسع أفقها ليشمل “الأمة” نفسها، هويتها، وعلة وجودها. إنها ليست دعوة إلى تكرار القديم، بل هي صرخة لإبداع تفلسف كلامي يعيد إنتاج الوحدة من منبعها الأسمى، وإلا ظلت الشعارات أصداء فارغة في واد سحيق.

إن مفتاح هذا الأفق الجديد يكمن في مفهوم قرآني محوري مهجور: “الجَعْل الإلهي”. الجَعْل ليس مجرد تشريع أو اعتبار، بل هو فعل خلق وتكوين وتأسيس إلهي مباشر، وهو بذلك يقع في صميم مباحث علم الكلام. وحين نتلو كتاب الله، نجد هذا “الجَعْل” يشكل وجودنا الجمعي:

﴿إن هذه أمتكم أمة واحدة﴾

فإنه لا يدعونا إلى “بناء” صرح من عدم، بل يشير بأصبع النور إلى “وجود” قائم قد اكتمل جَعْلُه. إنها إشارة إلى كينونة ناجزة، لا دعوة إلى إنشاء مشروع نرتجيه.

فما كُلِّفنا به ليس “خلق” هذه الوحدة من فراغ، بل “تجليتها” في عالم الشهادة وإظهارها للعيان. بيد أن حكايتنا أشبه بحكاية البناء الذي هَمَّ بزخرفة الجدران وتزيين الشرفات، قبل أن يختبر الأرض ويوطد الأساس. لقد هرعنا، قبل أن نعترف لهذا “الكيان” المجعول بوجوده الأزلي، وقبل أن نشهده بعين البصيرة، إلى ارتداء أردية الفقه والأخلاق والثقافة لتحقيق وحدة لم نثبت بعد حقيقتها الوجودية.

والبرهان الساطع يكمن في لغة القرآن نفسها؛ حين يقول جل وعلا:

﴿ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة﴾

فإن المعنى المكنون في هذا القول هو أنه لم يشأ، وأنه بإرادته قد “جعلهم” أمما شتى. فهذا “الوجود” وإن لم يكن وجودا طبيعيا من طين، لهو وجود اجتماعي حقيقي، قائم على ركن “الجَعْل الإلهي”. وهو، كسائر أفعال التكوين الإلهية، أمر نافذ لا يرد، وحقيقة خارجية لا تنكر.

ومن هنا، إذا جعلنا “علم الكلام” نقطة انطلاقنا، انفتح أمامنا عالم آخر؛ بحر زاخر من الكلاميات المتعلقة بالأمة، يمتد من سر “جَعْلِها” الأول، إلى القواعد الوجودية الحاكمة عليها، وكلها مباحث مهيبة تأسيسية. ولأن هذا كله يروي حكاية “الفعل الإلهي”، فإنه يندرج، بغير ريب، في صميم “علم الكلام”، لا في دائرة “الاعتباريات” الضيقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *