الاجتهاد: عُقدت في رحاب معهد الدراسات العليا للفقه المعاصر، ندوة علمية حول موضوعات فقه البيئة، بوصفه حقلاً معرفياً منهجياً، وتخصصياً، ومؤسَّساً على النظرية. وما يلي هو نص المحاضرة التي أُلقيت في هذه الندوة، وقد تم نقلها من أصلها الفارسي إلى اللغة العربية.
تعريف فقه البيئة
يمكن تعريف فقْه البيئة بأنه حقلٌ معرفيٌّ منهجيٌّ يقوم على التخصص ويستند إلى النظرية في إطار الفقه الإسلامي. يُبنى هذا الفقه على المعرفة العلمية الدقيقة للسَّيْرُورَات والدَّوْرَات البيولوجية، ويعتمد على منهجية نظرية ذات طبقات متدرجة تمتد من الأسس الكلامية والفلسفية وصولاً إلى النظرية الفقهية الكلية.
وغاية هذا الفقه هي استنباط الأحكام الكفيلة بتنظيم العلاقة بين الإنسان والمجتمع والدولة من جهة، والبيئة من جهة أخرى، تنظيماً عادلاً وصائناً ومستداماً؛ على نحوٍ يكفل الحفاظ على التوازن التكويني، وحماية النُّظُم الحيوية، والحد من العمليات التخريبية، وضمان استدامة الموارد للأجيال الحاضرة والمستقبلية، وذلك ضمن منظومة متكاملة من الأحكام والقواعد ونظام الحَوْكَمَة.
تصنيف موضوعات فقه البيئة:
إن فهم موضوعات فقه البيئة يتطلب تجاوز النظرة السطحية إلى الأشياء، والانتقال إلى تحليل أعمق يراعي الأبعاد الزمنية والتفاعلية والتركيبية. يمكن تصنيف هذه الموضوعات ضمن مستويات تحليلية متدرجة، لكل منها خصائصه وتطبيقاته الفقهية الخاصة.
1. الموضوعات الأُحَادِيَّة
التعريف: هي القضايا التي يمكن تحديدها بشكل منفرد ومحدود، وتُستقى مفاهيمها مباشرةً من المعارف التخصصية الدقيقة. يُنظر إليها بوصفها كيانات مستقلة.
الأمثلة: مكافحة التصحر، تلوث مصدر مائي محدد، انقراض فصيلة حيوانية معينة.
الخصائص: التركيز على موضوع واحد، وقابلية التحليل المباشر بالاعتماد على بيانات علمية محددة كبيانات علوم التربة أو الموارد المائية.
التطبيق الفقهي: في هذا المستوى، يمكن للفقه أن يصدر أحكاماً مباشرةً ومحددة، كتحريم قطع الأشجار في محمية طبيعية، أو وجوب تنقية بئر ماء من مادة ملوثة.
2. الموضوعات السَّيْرُورِيَّة
التعريف: هي التحولات أو الأضرار التي تتكشف على امتداد زمني، وتترك آثارها إما بشكل تدريجي تراكمي أو بشكل انفجاري مفاجئ. إنها تمثل تتابعاً زمنياً لتحول يبدأ من نقطة معينة وينتهي إلى نتيجة محددة.
الخصائص: ذات امتداد زمني. قد تكون تدريجية مثل تآكل التربة أو فجائية وثورية مثل فيضان مدمر ناجم عن إزالة الغطاء النباتي. قد تكون خطية أو معقدة.
الأمثلة البيئية: تفاقم ظاهرة التصحر، تآكل التربة، الزيادة التدريجية في تلوث المياه.
التطبيق الفقهي: النظر إلى الموضوع بوصفه سَيْرُورَة يقتضي من الفقه الالتفات إلى الآثار التراكمية؛ فالضرر الصغير اليوم قد يتحول إلى كارثة غداً. هذا يفرض الانتقال إلى فقه استباقي ووقائي، أو ما يمكن تسميته بفقه المخاطر، الذي لا يكتفي برد الفعل على المخالفة، بل يضع أحكاماً تمنع وقوع الضرر المستقبلي بناءً على دراسة مسارات التحول وآثارها بعيدة المدى.
3. الموضوعات الدَّوْرِيَّة
التعريف: هي السيرورات المعقدة والمتكررة التي تحدث ضمن دورة طبيعية أو بيئية مغلقة أو شبه مغلقة، حيث تعود العملية إلى نقطة البداية أو إلى حالة مكافئة لها.
الخصائص: تتضمن تغذية راجعة. ذاتية الاستدامة. تعمل عادةً على استقرار النظام البيئي.
الأمثلة: دورة الماء في الطبيعة، دورة الكربون، دورة تحلل المواد العضوية في التربة، عودة النظام البيئي إلى توازنه بعد حريق.
التطبيق الفقهي: إن إدراك الدَّوْرَة يعني فهم أن أي تدخل في حلقة واحدة من السلسلة قد يؤدي إلى اضطراب النظام بأكمله. وعليه، يجب أن يكون الحكم الفقهي شاملاً ومنهجياً، لا يستهدف فعلاً معزولاً، بل يهدف إلى صون توازن الدورة الطبيعية برمتها.
4. الموضوعات المَنْظُومِيَّة
التعريف: هي مجموعة من العناصر المترابطة التي تشكل معاً كلاً متكاملاً ومنظماً له وظائفه الخاصة.
الخصائص: ذات بنية وهيكل محدد. تتضمن علاقات داخلية معقدة. تُنتج وظيفة كلية لا يمكن اختزالها في وظائف أجزائها.
الأمثلة: النظام البيئي لمستنقع مائي، المنظومة المائية لحوض نهر، الغابة كنظام متكامل.
التطبيق الفقهي: النظرة المَنْظُومِيَّة تعني أن إصدار الحكم يجب أن يتم بناءً على فهم الكُل وتأثير الحكم عليه، لا على أساس التعامل مع الجزء بمعزل عن سياقه. وهذا يرتقي بالفقيه من مجرد مصدر للأحكام الجزئية إلى مساهم في رسم السياسات الكلية.
5. الموضوعات الشَّبَكِيَّة
التعريف: هي نمط من العلاقات متعددة الأطراف والاتجاهات بين عناصر مختلفة، وهي علاقات ليست بالضرورة هرمية أو خطية.
الخصائص: متعددة المراكز. غير خطية. شديدة التعقيد والتشابك.
الأمثلة: شبكة التفاعلات بين الإنسان والصناعة والموارد والأسواق والطبيعة، الشبكة العالمية المسببة للتغير المناخي.
التطبيق الفقهي:
النظرة الشَّبَكِيَّة تقتضي الانتباه إلى الآثار غير المباشرة والمتسلسلة للأفعال. فالحكم على قضية محلية قد تكون له تداعيات عالمية عبر شبكة معقدة من العلاقات. وهذا المستوى يتطلب فقهاً قادراً على التعامل مع الحَوْكَمَة المعقدة والتفكير في المسؤوليات العابرة للحدود والأجيال.
استنتاج:
إن هذا التدرج في فهم الموضوعات البيئية يمثل نقلة نوعية في الممارسة الفقهية. فمستوى النضج الفقهي يتحدد بمستوى الرؤية التي يتبناها الفقيه:
1. فإذا اقتصر نظر الفقيه على الموضوع الأُحَادِيّ كان حكمه جزئياً وفردياً.
2. وإذا نظر إلى السَّيْرُورَة أصبح حكمه استباقياً ووقائياً.
3. وإذا أدرك الدَّوْرَة صار حكمه توازُنياً ومُراعياً للسنن الكونية.
4. وإذا استوعب المَنْظُومَة ارتقى إلى مستوى صانع السياسات.
5. وإذا أحاط بالشَّبَكَة بلغ فقهه مرتبة الحَوْكَمَة المعقدة والعابرة للأجيال.
الاجتهاد موقع فقهي