الاجتهاد: انطلاقاً من قوله تبارك وتعالى: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ}، يبرز أمامنا تساؤل جوهري حول الآليات والوسائل التي تطورت في العصر الحاضر، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، فهل لنا كمسلمين، ومنتمين لمدرسة أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين، مجال في استثمار هذه التقنية؟
إن استثمار الذكاء الاصطناعي في نشر الدين وترويج فكر أهل البيت (عليهم السلام) يعد اليوم من أسمى الأعمال وأعظمها في مقام الخدمة الدينية، وذلك لما يوفره من آفاق واسعة يمكن تلخيصها في عدة جهات محورية.
النهضة الإعلامية وإحياء الأمر
تتمثل الجهة الأولى في الجانب الإعلامي، إذ لا يخفى ما نعانيه في العالم الإسلامي، وخصوصاً في أوساط مدرسة أهل البيت، من تأخر في الأدوات الإعلامية المتطورة والقادرة على مخاطبة العالم بلغات مختلفة. إن مفهوم “إحياء الأمر” الذي أكد عليه الأئمة (عليهم السلام) لا ينحصر في ممارسة الشعائر المستحبة خلال المناسبات فحسب، بل يمتد ليشمل نشر أقوالهم، ومبادئهم، وتاريخهم عبر الوسائل التقنية الحديثة.
فالدعوة إلى الخير، كما وردت في الآية الكريمة، تستلزم استثمار الإعلام في نشر الفضيلة، ولا خير أعظم من مبادئ أهل البيت. ومن هنا، يبرز الذكاء الاصطناعي كأداة نافذة تقتضي منا “تعبئته” بالتاريخ الصحيح والمبادئ الدقيقة، بحيث يجد أي باحث في أي بقعة من العالم إجابات وافية وشافية عن عقائد الشيعة وتراث الأئمة، بعيداً عن التشويه، وذلك من خلال تغذية هذه الأنظمة بالمعلومات الصحيحة والموثقة.
ثورة في الوسائل التعليمية
أما الجهة الثانية فتخص الجانب التعليمي، إذ يقع على عاتقنا تعليم الأبناء علوم أهل البيت (عليهم السلام) امتثالاً لقول الإمام الصادق (عليه السلام): (علموا أبناءكم من علمنا ما ينتفعون به)، وقوله: (بادروا أبناءكم بالحديث لا تسبقكم المرجئة). ومع اقتراب زمن يصبح فيه استخدام الذكاء الاصطناعي متاحاً للأطفال بسهولة فائقة، يتحتم علينا أن نسبق العالم في تطويع هذه التقنية لخدمة أجيالنا الناشئة.
إن القرآن الكريم يحث في أولى آياته على التعلم، والذكاء الاصطناعي اليوم يحقق أسلوباً تعليمياً فريداً يعتمد على “المناقشة والمشافهة” بين المتعلم والآلة. هذا الأسلوب الثنائي الحواري يتفوق بمراحل على الأسلوب الأحادي التقليدي المتمثل في القراءة المجردة من الكتب أو الإنترنت، إذ إن المباحثة والمناقشة مع الذكاء الاصطناعي تساهم في ترسيخ المعلومة في أذهان الشباب والأطفال بشكل أقوى وأعمق.
نظم الأمور والارتقاء بجودة العمل
وفي الجهة الثالثة، نجد أن الذكاء الاصطناعي يسهم في “نظم الأمور” وتجويد الأداء. فالقرآن الكريم يحثنا في آيتين، الأولى على العمل في قوله تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ}، والثانية على إتقان هذا العمل في قوله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّهَا أَحْسَنُ عَمَلًا}. وقد أكد أمير المؤمنين (عليه السلام) هذا المعنى بقوله: (قيمة كل امرئ ما يحسنه)، أي العمل المتقن
نحن اليوم نمتلك زخماً كبيراً من المهرجانات، والمؤتمرات، والاحتفالات، لكننا نحتاج إلى الانتقال بها نحو “العمل الأحسن” والأكثر تطوراً. وهذا يتطلب استثمار الذكاء الاصطناعي كخبير إداري يقدم أفكاراً ابتكارية ولفتات قد لا يلتفت إليها العقل البشري وحده في مجالات الإدارة. فالمواكب، والمدارس، والمؤسسات، والحوزات العلمية كلها تحتاج إلى إدارة متطورة. والذكاء الاصطناعي يمنح هذه المؤسسات وسائل جديدة لتنمية العمل وتنظيمه، انسجاماً مع وصية أمير المؤمنين (عليه السلام): (عليكم بتقوى الله ونظم أموركم).
الإعداد الفكري ومواجهة التغريب
أما الجهة الرابعة، فتتجلى في قوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ}. والمقصود هنا في مقامنا هو “القوة الفكرية” لا العسكرية، فنحن أمام مواجهة حتمية مع تيارات الحداثة وما بعد الحداثة الوافدة من الغرب، والتي تغزو منازلنا بأفكار تهدف إلى هدم كيان الأسرة، وعفة المرأة، والترويج لمبادئ شاذة جعلت المجتمعات الغربية تعاني من التفكك وغياب الروابط الإنسانية والأخلاقية.
لتحصين أجيالنا من هذا الغزو الفكري، نحتاج إلى إعداد قوة مقابلة تعتمد على الوسائل التقنية المتطورة. ومن هنا، تبرز ضرورة المبادرة إلى استثمار الذكاء الاصطناعي وتعبئته بما يتوافق مع مذهب أهل البيت (عليهم السلام). وهذا العمل يحتاج إلى تظافر جهود عناصر ثلاثة:
١- الخبير التقني المتخصص في أنظمة الذكاء الاصطناعي.
٢- العالم الديني الحوزوي الذي يضع المحتوى والبرامج الدينية الرصينة.
٣- المستخدم أو المبرمج الذي يستفيد من هذه التقنية في حياته وإدارته، لنتعلم من خلاله كيفية إيصال المعلومة الصحيحة للجمهور المستهدف.
إن هذا التكامل هو السبيل لإيجاد قوة فكرية قادرة على حماية الهوية ونشر النور المحمدي في أصقاع الأرض.
الاجتهاد موقع فقهي