خاص الاجتهاد: إنّ الفقه علمٌ اجتماعي بامتياز، يمتلك في المجتمعات المسلمة سعةً ووظيفةً تضاهي “الحكمة العملية” عند اليونانيين؛ فهو في تعاطيه باطراد مع المحيط والمجتمع، يؤثّر ويتأثّر، صياغةً وتفاعلاً.
لقد شهد العالم الإسلامي بروز ثلة من المفكرين والمصلحين، أمثال: السيد جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وعلي عبد الرازق، والكواكبي، والنائيني، والشهيد الصدر، والإمام الخميني؛ حيث طرح كل منهم رؤى إصلاحية تركت بصماتها بوضوح في مساحات متفاوتة من الفكر والعمل. ونظراً لما تختزنه الرؤية الكونية والنصوص الإسلامية من طاقات هائلة لإحقاق حقوق الناس، فقد تبلورت تدريجياً اتجاهات ونظرات “سيادية شعبية” بين الفقهاء المسلمين حتى أضحت تياراً عاماً، وإن تأخر ظهور هذا المنحى لدى فقهاء أهل السنة نسبياً.
تخبرنا التجربة التاريخية أن “الفقه” بوصفه علماً اجتماعياً-سياسياً، و”الفهم الاجتهادي” بوصفه قراءةً عقلانيةً وعصرية، لم ينأيا بأنفسهما عن التسارع العاصف للعصر الحديث؛ بل انخرطا طبيعياً في معالجة القضايا المتجددة والنوازل، وفتحا باب “المفاهمة والحوار” مع العالم المعاصر. وإنّ الرهان الأهم يكمن في إرساء تلك المراودة ضمن سياق علمي ومنطقي ومنضبط.
لعل العلة الجوهرية وراء حتمية هذا التواصل تكمن في التحول الذي شهدته العلوم المختلفة خلال القرن الأخير، وهو تحول لم يكن علم الفقه بمنأى عنه. فالفقه السياسي الشيعي -حتى عصر المشروطة (الدستورية) تقريباً- كان في غالبه فقهاً “فرداني المنزع”، ومحدوداً، ومعنياً ببيان الأحكام الشخصية. بيد أن تدفق المفاهيم المستحدثة، والتحولات المعرفية في القرن المنصرم -ولا سيما بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران- كانت بمنزلة السيل العارم الذي وضع هذا العلم أمام تحديات وتساؤلات بنيوية؛ مما أخرجه من دائرته الضيقة السابقة ليکتسي صبغةً اجتماعية أكثر رحابة. فلم يعد بإمكان الفقه اليوم، ولا كان بإمكانه حينذاك، الاستمرار في الحياة بمعزل عن الحراك الاجتماعي والتحولات المفروضة بحكم العصر؛ إذ إن الانغلاق عن المحيط كان سيجرده من قدرته على رفد المجتمع الإسلامي بما يحتاجه. ومن هنا، تهيأت الأرضية تدريجياً لولوج الفقه السياسي في قضايا المجتمع الكلية، متجاوزاً حدود التكاليف الفردية.
إن قيام نظام الجمهورية الإسلامية أوجد مناخاً علمياً وعملياً لاختبار الفقه السياسي وتقييمه أكثر من أي وقت مضى؛ مما أدى إلى نفي الرؤى “الاختزالية” والفردانية في الفقه السياسي الشيعي، وتعزيز المقاربة الاجتماعية في عملية الاجتهاد واستنباط الأحكام من منابع التشريع الإسلامي. كما تشكلت مقاربة جديدة في “دلالات ومناهج” الجهاز الاجتهادي، وبُذلت الجهود لتحليل وتقييم الحقوق والفقه السياسي الشيعي بشكل منظومي.
هذا المنزع العقلاني والنظري وضع الفقه السياسي في أفق حديث وفضاء مغاير، مما مهد لظهور قراءات وروايات اجتماعية جديدة للفقه؛ لا تقتصر تجلياتها على الفقه السياسي فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً اجتماعية أخرى كالفقه الاقتصادي، والتربوي، وفقه الأسرة، والجنائي، وغيرها، محولةً الميول الفردية في الاستنباط إلى اجتهادات ذات أبعاد اجتماعية.
إن طبيعة الحياة الاجتماعية هي “المرونة”، والفقه لم ولن يستطيع النأي بنفسه عن هذا الواقع المتجدد. ورغم أن كافة الجهود والأنشطة العلمية والعملية للفقهاء ترتكز على محور الدين، وأن مشروعية الحياة السياسية منحصرة في النصوص، إلا أن نص الدين “الثابت” يحمل وظيفة “متغيرة”، وهي العمل في سياق التاريخ ومرور الزمن. إن ضبط العمل الثابت ضمن المتغير، وكيفية مواجهة النص للواقع عبر امتداد الزمان والمكان، هو الوظيفة والفلسفة الأساسية للفقه.(1) وفي هذا الصدد، ذهب النائيني في كتابه (تنبيه الأمة وتنزيه الملة) إلى أن مجموع الوظائف الراجعة إلى نظم وسياسة أمور الأمة لا تخرج عن قسمين: إما “منصوصات” وظيفتها العلمية محددة بخصوصها (وهي لا تتغير بتغير الأعصار والأمصار)، وإما “غير منصوصات” وُكلت وظيفتها العلمية -لعدم اندراجها تحت ضابط خاص- إلى نظر وترجيح “الولي النوعي”؛ وهذا القسم الأخير تابع للمصالح ومقتضيات الزمان والمكان، وهو القابل للتغيير والتبدل بتبدلهما.(2)
ديناميكية الفقه السياسي الشيعي بعد الثورة الإسلامية
بناءً على فهم هذه الظروف، كان الإمام الخميني من الفقهاء الذين طرحوا بجدية مسألة “الفقه الحيوي” وضرورة بقاء باب الاجتهاد مفتوحاً، حيث يقول:
«في الحكومة الإسلامية، يجب أن يظل باب الاجتهاد مفتوحاً دائماً؛ فطبيعة الثورة والنظام تقتضي دوماً عرض الآراء الاجتهادية الفقهية في مختلف المجالات بحرية، حتى وإن كانت متعارضة، ولا يملك أحد الحق أو القدرة على منع ذلك. بيد أن الأمر الجوهري هو المعرفة الصائبة بالحكومة والمجتمع». [۳]
لذلك، وفي مواجهة التحديات النظرية والعملية، ولضمان كفاءة هذه النظرية وقدرتها على الاستجابة، قام الإمام بطرح عناصر وتعاليم أصيلة كانت طي الغفلة، مثل “مصلحة النظام” ودور “الزمان والمكان” في عملية الاجتهاد. وبتعبير آخر: ليس المراد من الاجتهاد ذلك المنزع الجامد والراكد الذي يتجمد على الملاكات الشرعية المعتبرة دون سبر أبعاد القضايا أو رعاية عنصري الزمان والمكان، واللذين يعدان من العوامل الحاسمة في مقام التفريع والتطبيق؛ بل هو ذلك الاجتهاد الحيوي المتنامي والمترقي الذي ينبسط على كافة الميادين وفق الموازين الشرعية مع قياس أبعاد النازلة (فردية كانت أم اجتماعية، سياسية، إدارية، قضائية وحكومية)، آخذاً بعين الاعتبار مقتضيات الزمان والمكان؛ إذ إن هذا الاجتهاد هو الكفيل بإنزال “الفقه الصانع للمجتمع” إلى منصة الواقع والعينية.[۴]
ومن هذا المنطلق، آمن الإمام الخميني“ره” بأنه ليس من المقبول لدى عامة الناس والشباب أن يقول مرجعهم ومجتهدهم: “أنا لا أبدي رأياً في المسائل السياسية”. وشدد على أن من سمات المجتهد الجامع: الإحاطة بأساليب مواجهة حيل ومکر الثقافات الحاكمة عالمياً، وامتلاك البصيرة والرؤية الاقتصادية، والاطلاع على كيفية التعامل مع الاقتصاد العالمي، وكذلك معرفة السياسات الدولية، بل وحتى معرفة السياسيين وصيغهم المفروضة (الديكتاتورية) وإدراك موقع ونقاط قوة وضعف القطبين الرأسمالي والشيوعي اللذين يرسمان استراتيجية الحكم العالمي.
إن على المجتهد أن يمتلك الفطنة والذكاء والفراسة لقيادة مجتمع إسلامي كبير، بل وحتى مجتمع غير إسلامي، وأن يكون —علاوة على الإخلاص والتقوى والزهد اللائق بمقامه— مديراً ومدبراً بحق. [۵]
بقلم: حجة الإسلام الدكتور السيد كاظم السيد باقري
مدير قسم السياسة في معهد الثقافة والفكر الإسلامي (پژوهشگاه فرهنگ و اندیشه اسلامی)
الهوامش:
[1]. راجع: داود فيرحي؛ “قدرت، دانش و مشروعيت” «السلطة، المعرفة، والمشروعية في الإسلام»، ص 230.[2]. محمد حسين النائيني؛ المصدر نفسه، ص 130.
[3]. السيد روح الله الموسوي الخميني؛ «صحيفة الإمام»؛ ج 21، ص 289.
[4]. محمد إبراهيم جناتي؛ «أدوار الفقه وكيفية بيانه»؛ ص 127.
[5]. روح الله الموسوي الخميني؛ «صحيفة الإمام»؛ ج 21، ص 289.
الاجتهاد موقع فقهي