الاجتهاد: ألفية مدرسة النجف الدينية 448 – 1448ه. / عودة مع اشكالية: وجود حوزة في النجف قبل الطوسي.
ذكرنا آراء المناصرين والمخالفين قبلا، أما استاذنا السيد محمد مهدي الخرسان، فهو مناصر الى أن النجف كانت تشغل الدرس منذ القرن 4هـ/ 10م، فيقول إن النجف الأشرف مثوى الإمام أمير المؤمنين عليّ- عليه السلام- وهو باب مدينة علم النبي- صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلَّمَ، لذلك أضحت مأوى طلاب العلم وملتقى العلماء منذ أكثر من ألف عام، ولكن لتصحيح خطأ شائع ذائع، بأنّها إنّما أضحت حاضرة علمية منذ هاجر إليها الشيخ الطوسي سنة 448هـ فهو الّذي أسس الحوزة، وهذا خطأ محض، بل كانت هي حاضرة علمية من قبل أن يهاجر إليها شيخ الطائفة بما يقرب من قرن، وإنّما الشيخ قُدِّسَ سِرُّه حين أتاها شيّد بنيانها وقوّم أركانها، فلم تكن يباباً من العلماء، ولا خالية من طلاب العلم، بدلالة ملتقى العلماء والوافدين من زوّار المشهد بالعلماء الساكنين هناك واستماع الحديث منهم والأخذ عنهم، ومثالاً على ذلك:
إنّ من راجع ترجمة الشيخ الصدوق ابن بابويه المتوفى سنة 381هـ صاحب كتاب من لا يحضره الفقيه، يجده قد أتى الكوفة في سنة ٣٥٤ هـ في طريقه إلى الحج وعاد إليها بعد الحج في سنة ٣٥٥ هـ وفي تلك الرحلة سمع بالكوفة وبالمشهد من مجموعة من أعلام الطائفة ومن غيرهم، وقد وردت أسماؤهم وسماعاته منهم في جملة من كتبه كالأمالي وعيون أخبار الرضا عليه السلام والخصال وغيرها. وإلى القارئ بعض ذلك:
قال المرحوم سيّدنا الوالد قُدِّسَ سِرُّه في حياة الشيخ الصدوق في مقدّمة كتاب (من لا يحضره الفقيه) ص / ق = 100 طبع النجف سنة 1377 هـ :
الكوفة: وردها في طريقه إلى الحجّ سنة 354 هـ وسمع في مسجدها الجامع من جماعة كـ: محمّد بن بكران النقاش، وأحمد بن إبراهيم بن هارون الفامي، والحسن بن محمّد بن سعيد الهاشمي، وأبي الحسن بن عيسى المجاور في مسجد الكوفة، وسمع من نفر آخرين في أماكن أخرى، فقد سمع من محمّد بن عليّ بن الفضل الكوفي في مسجد أمير المؤمنين- عليه السلام- في الكوفة ـ والظاهر “مشهد” بدل “مسجد” ـ وأبي الحسن عليّ بن الحسين بن شقير بن يعقوب بن الحرث بن إبراهيم الهمداني في منزله بالكوفة، وسمع من أبي ذر يحيى بن زيد بن العباس بن الوليد البزاز والحسن بن محمّد السكوني المزكي سمع منهما بالكوفة، ولا نعلم موضع سماعهما من البلد.
فسماع الشيخ الصدوق- رَحمهُ اللهُ- في الكوفة من تسعة أشخاص علماء ينبئ عن وجود حوزة تضم طلاب علم وعلماء، والكوفة بما فيها ظهر الكوفة كانت لأهلها موطناً، وللوافدين عليها لغرض طلب العلم قطناً، والتصريح بسماعه من محمّد بن الفضل الكوفي في مسجد أمير المؤمنين- عليه السلام- صريح في ذلك إذ لا يعني ذلك إلّا المشهد المقدس.
تحليل واف للسيد الخرسان عن سماع الشيخ الصدوق من تسعة علماء في الكوفة في مواطن عدة فيها دالة على وجود حاضرة علمية في الكوفة في منتصف القرن 4ه/10م وهو تقرير واقع لمدرسة الكوفة؛ غير أن لفظ “مسجد” ورد في روايات الصدوق بأشكال عدة: “مسجدها الجامع” و” مسجد الكوفة ” و” مسجد أمير المؤمنين في الكوفة “، وهذه التسميات هي الواردة عن مسجد الكوفة- على نحو عام، وإن كانت الأخيرة نادرة، ولعل هذه الندرة هي التي أوحت الى السيد الخرسان بأن “مسجد” في معرض التحريف من “مشهد”.
ويلحظ أن استاذنا الحكيم يوافقه الرأي على استحياء دون إشارة له، يبدو أن الفرادة كانت تراوده او كادت، فقال: وقد أشار الشيخ الصدوق إلى تلمذته عليه في مسجد أمير المؤمنين عليه السلام في الكوفة ، ومن المحتمل أيضا أنه قد استمع إليه في مشهد أمير المؤمنين- عليه السلام.
وللتحقيق فقد ورد في معاجم الفقه أن “مسجد الكوفة: مسجد أمير المؤمنين الامام على بن أبي طالب ( عليه السلام ) في الكوفة”.
في مقابل مدرسة الكوفة التي أخذ الشيخ الصدوق عن تسع من شيوخها، لست أدري كيف عدّ سيدنا الخرسان -على الاتباع- رواية الواحد في مشهد النجف انها عهد متقدم لمدرسة النجف او حوزتها، على احتمال قبول وجهة نظره في التحريف المذكور.
لقد وردت رواية “مسجد أمير المؤمنين- عليه السلام- في الكوفة في كتاب الأمالي للصدوق، والكتاب مر على محققين وعلماء حتى إخراجه وطبعه غير مرة ، فلم يشر أحد الى مورد التحريف. فضلا عن الرواية ذكرها السيد البروجردي والسيد الخوئي ولم يعلقا عليها.
وردت في نصوص الصدوق لفظ ” بالكوفة مسجد أمير المؤمنين- عليه السلام- ” ففي كتاب [كمال الدين، ص517] حوارية بين شيخه البزرجي وشاب هاشمي في سرمن رأى ، انه “قال لي : أنت قمي أو رازي ؟ فقلت : أنا قمي مجاور بالكوفة في مسجد أمير المؤمنين عليه السلام، فقال لي : أتعرف دار موسى بن عيسى التي بالكوفة ؟ فقلت : نعم ، فقال : أنا من ولده…” فهل هذا- يا ترى- يعد تحريفا عن “مشهد” أيضا.
…………………………………
– عيون الأخبار باب 11 حديث 26 .
– م. ن. باب 25 حديث 2 .
– م. ن. باب 26 حديث 22 .
– الأمالي ، تحقيق قسم الدراسات الاسلامية – مؤسسة البعثة، ص469. مقدّمة من لا يحضره الفقيه ص 19 .
— المفصل في تاريخ النجف الأشرف، 4/ 24.
– أحمد فتح الله، معجم ألفاظ الفقه الجعفري، ط1415 ه – 1995 م، ص388؛ حسين عبد الله مرعي، المعجم الفقهي ص192.
– كتاب الأمالي : قال الشيخ آغا بزرك الطهراني : كتاب الأمالي : المعروف بالمجالس ، أو عرض المجالس ، للشيخ الصدوق ، طبع بطهران سنة 1300 ه ، وهو في سبعة وتسعين مجلسا ، والحديث الأول من المجلس الأول بالاسناد عن علي بن الحسين ( عليهما السلام ) في فضل القول الحسن . إلي أن قال : والنسخة العتيقة منه بخط الشيخ الجليل المعروف بابن السكون ، وهو علي بن محمد بن محمد بن علي السكون ، رأيتها في المشهد الرضوي عند المحدث الشيخ عباس القمي ، تاريخ كتابتها يوم الخميس
الرابع عشر من ذي الحجة سنة 563 ه ، وتوجد في كتب مدرسة فاضل خان بالمشهد الرضوي نسخة من المجلس الحادي والخمسين إلى آخر الكتاب بخط الشيخ المحدث الحر العاملي. الامالي ، ط 1417ه، ص40
– جامع أحاديث الشيعة 4/ 525.
– معجم رجال الحديث 17/ 363.
الاجتهاد موقع فقهي