خرید فالوور اینستاگرام خرید لایک اینستاگرام قالب صحیفه
الرئيسية / خاص بالموقع / 22 تقرير خبري خاص / من استنباط الحكم إلى كبح السيستم؛ الاجتهاد في عصر حوكمة البيانات

من استنباط الحكم إلى كبح السيستم؛ الاجتهاد في عصر حوكمة البيانات

خاص الاجتهاد: لقد تردّد مصطلح “الاجتهاد المعاصر” لسنوات، لا بوصفه مجرد اصطلاح فني، بل كخط دفاعي في وجه القراءات التي تقيّم الفقه الشيعي بأنه “قاصر” أمام التحولات العالمية.

لقد أثبتنا دوماً، عبر توظيف أدوات كـ “أصول الفقه”، و”العقل العملي”، و”القواعد العامة”، ومفهوم “الزمان والمكان”، أن الفقه حيّ من حيث الأدوات والمنهج. لكن المسألة اليوم لم تعد مجرد “كفاءة الفقه”، بل “كفايته”؛ بمعنى أن العالم في العصر الحديث لم يتغير بشكل هادئ وخطّي.

إن التحولات التقنية المتسارعة، وظهور “البيانات الضخمة” (Big Data)، وتفويض القرارات الحيوية للأنظمة الذكية، قد قلبت صورة المسألة تماماً. وفي الحروب والأزمات الأخيرة، رأينا بوضوح كيف تحولت الأنظمة والتطبيقات الاجتماعية إلى بؤر للاضطرابات ومستنقعات هويّة عميقة.

بناءً عليه، نحن لم نعد نواجه “المكلف الفردي” الذي يقع قصده واختياره تحت مجهر الحكم الفقهي فحسب؛ بل نحن أمام “فاعلين صامتين”: الخوارزميات التي تغير مصير البشر دون “نية” ظاهرة، لكن بتبعات جسيمة. في عالم كهذا، كيف للاجتهاد — الذي كان نادراً ما يشتبك مع القضايا العامة الكلية حتى عقود خلت — أن يؤدي وظيفته أمام هذه القوى الاجتماعية العظمى؟

إن النقص الجوهري في اجتهاد اليوم ليس في “استنباط الحكم”، بل في “تشخيص مجال وميدان الحكم”. فنحن غالباً ما ندخل الميدان متأخرين؛ بعد أن صُممت الأنظمة، واتخذت الخوارزميات قراراتها، ولم تترك مساحة لتقديم الرؤى الفقهية. أو أننا ندخل بأسئلة غريبة عن واقع الحياة المعاصرة. ومن هنا تبرز الضرورة الملحة لـ “الفقه الهيكلي”؛ الفقه الذي لا يستهدف السلوك الفردي فحسب، بل يستهدف النظم الجمعية، والسيستم، وهياكل السلطة.

لقد انتقد الإمام الراحل (قدس سره) في خطابه الشهير (تموز 1980) أولئك رجال الدين الذين اعتزلوا الشأن السياسي، قائلاً: “لقد أوهموا بعض رجال الدين بأن وظيفتهم تقتصر على بيان المسائل الشرعية، وحتى هذه المسائل أرادوها جزئية لا كلية، بينما لو نظرنا إلى الفقه لوجدنا أن معظم كتبه هي كتب سياسة”. وهذا يعني أن الإمام لم يعتبر الفقه حياً فحسب، بل اعتبره أداة لإعادة تعريف وإدراك القوة في النظام العالمي الجديد.

إن هذه “السياسة” ليست بمعنى اللعبة السياسية، بل هي تنظيم للعلاقات الاجتماعية بناءً على العدالة الإلهية. لقد أخرج الإمام الخميني الفقه من الحيز الخاص ووضعه في قلب نظام الحكم. واليوم، يجب أن يمتد هذا النهج ليشمل تكنولوجيا المعلومات، والاقتصاد الرقمي، و “العدالة الخوارزمية”. إن هذه الحاجة ليست “بدعة”، بل هي استعادة للطاقات الكامنة في الفقه الكلاسيكي.

إن الكثير من صور الظلم اليوم لا تنبع من قرار فرد مستبد، بل من “تصميم خاطئ لنظام ما”. في مثل هذا العالم، لا تتلخص العدالة في “الحكم العادل” فحسب، بل تتجسد في “الهيكل العادل”. يجب أن يرتقي الاجتهاد من “فقه السلوك الفردي” إلى “فقه تنظيم العلاقات الجمعية والمنظوماتية”. وهذا تماماً ما سعى إليه الإمام الخميني عبر تأسيس نظرية “ولاية الفقيه”؛ فقه لا يكتفي بقول “ماذا نفعل”، بل يحدد “كيف نبني العالم”.

إن حركية الاجتهاد لا تتحقق بمجرد تكرار المصطلح، بل تتطلب “شجاعة”: شجاعة في إعادة النظر في “فقه تشخيص الموضوع”، شجاعة في إعادة تعريف نسبة الفقه بالقوة في عصر البيانات، وشجاعة في إعادة “الإنسان الإلهي” إلى مركز النظام الجديد، لا كمستهلك، بل كصاحب حق وكرامة. إذا لم يُعد الفقه تعريف نسبته مع هذه الصور الحديثة للقوة والعدالة والتمييز، فسيُهمّش من متن الحياة إلى أطرافها. اليوم، يحتاج الاجتهاد — رغم كفاءته — إلى تحول جذري ليصبح “كافياً”. على الفقه أن يوضح نسبته مع المستقبل أكثر من أي وقت مضى، وإلا سيعيش قسراً في عالم لم يعد له وجود.

بقلم: د. محمدرضا فارسيان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *