خرید فالوور اینستاگرام خرید لایک اینستاگرام قالب صحیفه
الرئيسية / موقع الاجتهاد و جميع المواضيع / جميع الأبحاث والأحداث / حوارات ومذکّرات / 55 مذكرة خاص / علي (عليه السلام).. ربيب بيت الوحي / آية الله الشيخ جعفر السبحاني

علي (عليه السلام).. ربيب بيت الوحي / آية الله الشيخ جعفر السبحاني

خاص الاجتهاد: إن المجتمعات الإنسانية -بمعزل عن القادة الإلهيين- تؤول إلى الركود والجمود، وتنتهي في المطاف الأخير إلى الدناءة والانحطاط.

لقد أثبت التاريخ أن العظماء هم كالأمواج في بحر المجتمع؛ يرسمون مصائر الأمم، فمنهم أمواج مدمرة، ومنهم أمواج منقذة. وفي خضم هؤلاء الصانعين للأمواج، يتبوأ الأنبياء الإلهيون مكانة سامية؛ إذ يوقظون العقل البشري بالهداية السماوية، ويشيدون حضارات تقوم على ركائز العقل والأخلاق والروحانية.

ونبي الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الأنموذج الأتمّ لهذا النمط من القيادة؛ ففي عصرٍ خيّمت فيه الجاهلية والعصبية وعبادة الأصنام على المجتمع العربي، جاء بنور الوحي ليضع اللبنات الأولى لحضارة أخلاقية تصنع الإنسان.

ولأجل الفهم الدقيق لمكانة علي (عليه السلام)، لا بد من العودة إلى جذور تكوين شخصيته. فمن المنظور العلمي، شخصية كل إنسان هي نتاج اقتران عوامل ثلاثة: الوراثة، والبيئة، والتربية. وفي حياة علي (عليه السلام)، توفرت هذه العوامل الثلاثة في أرقى مستوياتها:

الوراثة: فقد أبصر النور في حجر “بني هاشم”؛ تلك الأسرة التي تجذر فيها الإيمان والسخاء والذود عن الحق. وكان والده “أبو طالب” المحامي الأكبر عن النبي في سنوات الدعوة العجاف، وهو فداءٌ ينم عن إيمان ومعرفة عميقة. كما كانت أمه “فاطمة بنت أسد” من المؤمنات القانتات، وقد خلّد التاريخ اسمها بكرامة ولادة علي (عليه السلام) في جوف الكعبة.

التربية والبيئة: تكمن نقطة التحول المركزية في شخصية علي بن أبي طالب (عليه السلام) في تربيته المباشرة في بيت الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم). لم يكتفِ النبي بكفالته فحسب، بل صاغه صياغة تربوية شاملة وعميقة.

في كنف النبي، تعلم عليٌّ كيف يفكر، وكيف ينطق، وكيف يصمد أمام الخطوب. هذا الالتصاق الدائم أنتج شخصية كان لها حضور حاسم ومؤثر في كافة الميادين لاحقاً. لقد كان النبي يزقّه أخلاقه زقّاً كل يوم، ويصحبه معه إلى خلوات العبادة والتأمل؛ لدرجة أن علياً وصف هذا الاتباع بقوله: “اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ”.

لقد تجلت ثمرة هذه التربية وهذا الأدب في الرعيل الأول للبعثة، حين كان عليٌّ أول من لبّى دعوة النبي. وبالتأكيد، لم يكن هذا الإيمان مجرد اكتساب لإيمان جديد، بل كان إظهاراً لإيمان تليد وجدير، استقر في جوانحه لسنوات. والقرآن الكريم يولي “السبق في الإيمان” قيمة استثنائية؛ لأن الريادة في أيام العسرة والخطر هي أصدق دليل على استقامة الإنسان وإخلاصه.

هكذا، لم يصبح عليٌّ شخصية فريدة بمحض الصدفة التاريخية، بل ببركة وراثة طاهرة، وتربية نبوية، وبيئة مصيرية. لقد كان ربيب الوحي وأدب النبوة؛ ذلك الإنسان الذي لو عرفه مجتمع عصره حق المعرفة، لترسم مسار التاريخ الإسلامي بشكل مغاير، ولنجت الأمة من ويلات الانحراف والآلام.

وثمة ملاحظة بالغة الأهمية، وهي “الأدب الفذ” لعليٍّ في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)؛ فخلال كل سنوات حضور النبي، لم يؤثر عن علي أنه خطب خطبة أو نقل حديثاً من تلقاء نفسه. لم يكن هذا الصمت عجزاً، بل كان شاهداً جلياً على معرفته، وتواضعه، وأدبه الجمّ أمام مقام النبوة. فعليٌّ -الذي صار لاحقاً “أمير البيان والبلاغة”- ألجم لسانه عن وعي في تلك السنوات، كي لا يعلو قولٌ فوق قول النبي، ولكي تتجه الأنظار قاطبة نحو رسول الله وحده. إن هذا الصمت المدروس هو في حد ذاته نوع من البلاغة؛ بلاغة منبثقة من الإدراك الصحيح لمقام الوحي والطاعة الواعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *