خاص الاجتهاد: قراءة في الأوامر والفتاوى التاريخية للأعلام، ودورها المحوري في تقرير مصير العالم الإسلامي. هي مسيرة من التكاليف الشرعية التي انطلقت صرختها المدوية منذ إعلان قيام الكيان الصهيوني عام 1948م، ولا تزال نابضة في وجدان الأمة حتى يومنا هذا.
يثبت التاريخ أن الدور القيادي للمرجعية لم يكن يوماً للانكفاء، بل كان مشعلاً يضيء عتمة الأزمات. إنها قوة ناعمة لكنها حاسمة، استطاعت عبر القرون إحياء روح التضامن، لتظل الفتوى “الرقم الصعب” في معادلة الاستقلال والكرامة، ومصدر فخر لمدرسة تستمد ديناميكيتها من ارتباطها العميق بآمال الشعوب وتطلعاتها نحو الحرية.
سلطة الفتوى: حين يغير “المداد” مجرى التاريخ
“نحن نشرب الخمر علانية، لكننا لا نجرؤ على تدخين ‘الجًبًق’ ما لم يفتِ الميرزا بحِلِّيته؛ فاحتساء الخمر له توبة، أما محاربة إمام الزمان فلا توبة لها.”
بهذه الكلمات الصادمة في دلالتها، عبّر الإيرانيون المحتشدون أمام مبنى “الشركة البريطانية” وهم يحطمون غلايينهم استجابةً لفتوى الميرزا الشيرازي بتحريم التبغ.
لقد كانت الفتوى أو الأمر الديني الصادر عن المراجع في التاريخ الشيعي، دوماً، رقماً صعباً ودوراً حاسماً، خلّف آثاراً عميقة وشاملة في مسار الأحداث.
إن صياغة الحركات التحررية، وضمان الأمن الأرواحي والاقتصادي والثقافي للمجتمع، تعد من أبرز تجليات الفتوى في التاريخ؛ لذا يُنظر إلى “فتوى الفقيه” بوصفها أحد أهم نماذج الحيوية والديناميكية التي يتمتع بها المذهب الشيعي. وبالنظر إلى صفحات التاريخ، تبرز شواهد لا حصر لها على النفوذ الکبیر لهذه الأداة الشرعية.
من كاشف الغطاء إلى صرخة التبغ
في عام 1825م، ومع هجوم الجيش الروسي على إيران واحتلال أجزاء من أراضيها، انبرى ثلة من كبار علماء الشيعة، أمثال الشيخ جعفر كاشف الغطاء، والسيد علي الطباطبائي، والميرزا القمي، والملا أحمد النراقي، لإصدار فتوى “الجهاد” دفاعاً عن الشعب في وجه الغزو الروسي.
ولعل تلك الفتوى كانت أول حكمٍ بالجهاد في التاريخ الشيعي الحديث، بيد أن الفتوى الأكثر شهرة وتأثيراً ولدت عام 1891م على يد الميرزا الشيرازي. كانت “فتوى تحريم التنباك” ولا تزال رمزاً لقوة الفقهاء؛ إذ كشف الشيرازي بفتواه الفريدة عن مدى النفوذ الاجتماعي للعلماء، وقدرة الدين على تحريك الجماهير.
جاءت الفتوى رداً على منح ناصر الدين شاه امتياز التبغ لشركة “رجي” البريطانية وتجاهله للاحتجاجات الشعبية، فكان وقعها مزلزلاً لدرجة أنها اقتحمت قصر الشاه نفسه، حيث حطمت الحاشية “النراجيل” أمام عينيه.
والمثير في هذا الحكم، بعيداً عن الانصياع الشعبي المنقطع النظير، هو استخدام الشيرازي عبارة تقشعر لها الأبدان: “محاربة إمام الزمان” كبديلٍ لوصف “الحرام” التقليدي، مما أضفى قدسية قصوى على التحرك السياسي.
ثورة العشرين: الفتوى كبذرة للاستقلال
في عام 1339هـ، زحفت الجيوش البريطانية نحو العراق بذريعة حماية قواعدها، لكن التدخل السافر في الشؤون السياسية دفع السيد أبو الحسن الأصفهاني والشيخ محمد تقي الشيرازي لإصدار فتاوى تستنهض الهمم لاستعادة حقوق الأمة وحماية الأعراض والمقدسات.
كانت تلك الفتاوى من القوة بحيث شكلت النواة المركزية لأهم انتفاضة شعبية في تاريخ العراق الحديث، وهي “ثورة العشرين الخالدة“؛ تلك الثورة التي غيرت قدر العراق وأرست دعائم استقلاله.
فلسطين: جبهة العلماء الموحدة
مع إعلان قيام الكيان الصهيوني عام 1948م، اندلعت حرب لا تنتهي. وفي ذلك العام، توحد علماء المسلمين على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم الفكرية خلف حكمٍ واحد: “الجهاد لاستعادة الأراضي الإسلامية المغتصبة”. وقد صدحت أصوات الأعلام: الحكيم، والخوئي، والخميني، والشيرازي، وكاشف الغطاء، ومعهم رئيس جامعة الأزهر وجمع غفير من علماء النجف، في حراك عالمي يدعو المسلمين للتصدي لهذا المحتل، وهو الحكم الذي لا يزال صداه يتردد في وجدان الأمة بانتظار التمام.
الفتوى التاريخية: كسر معادلة “داعش”
في عام 1436هـ، وإثر الاجتياح البربري لتنظيم “داعش” وتغلغله في العمق العراقي، أصدر آية الله السیستاني فتواه التاريخية بوجوب الدفاع الكفائي عن العراق ومقدساته.
ألهبت هذه الفتوى مشاعر العراقيين، وفجرت بركان الدافعية في قلوبهم، فاستنهضت “الحشد الشعبي” الذي ضم 3 ملايين متطوع هبوا جنباً إلى جنب مع الجيش لتغيير معادلة القوة. واللافت هنا كان “التلاحم الوطني”؛ إذ لم يقتصر لبيك الفتوى على الشيعة وحدهم، بل قاتل أبناء السنة كتفاً بكتف مع إخوتهم، فكانت الفتوى هي الوقود المعنوي والروح الدافعة للنصر المؤزر على الإرهاب.
إن الدور القيادي لعلماء الشيعة عبر التاريخ ظل دوماً كالمشعل في عتمة الدروب؛ يبعث الأمل ويوحد الصفوف. هي قوة ضاربة في عمق الزمن، أحيت روح التضامن والإيمان في قلب المجتمع، وبقيت مصدر فخرٍ لهذا المذهب الذي يستمد حيويته من ركنٍ حصين وحياةٍ نابضة بانتظار “إمام الزمان”.
الاجتهاد موقع فقهي