خاص الاجتهاد: أقامت جامعة المذاهب الإسلامية الدولية في العاصمة الإيرانية طهران، يوم الأحد (19 شعبان 1447هـ)، حفلاً تأبينيًا لتكريم القامة العلمية الراحلة، الأستاذ الدكتور أحمد عمر هاشم، رئيس جامعة الأزهر الأسبق، وذلك تقديراً لمسيرته في نشر الإسلام المعتدل.
جاءت هذه المراسم في إطار سعي جامعة المذاهب الإسلامية لتعزيز العلاقات الأكاديمية مع الأزهر الشريف في مصر، والاحتفاء بالدور الريادي للدكتور هاشم (المتوفى في أكتوبر 2025) في ترسيخ قيم الحوار والوحدة بين الشعوب الإسلامية.
أبرز المشاركات والمحاور
شهد الحفل الذي أقيم في قاعة “الماموستا شيخ الإسلام”، إلقاء كلمات لعدد من الشخصيات البارزة، شملت:
السيد محمد ضياء: رئيس مكتب رعاية المصالح المصرية في طهران. والدكتور محمد هادي فلاح زاده: رئيس جامعة المذاهب الإسلامية، حول آفاق التعاون الأكاديمي مع مصر. وآية الله الدكتور أحمد مبلغي: عضو مجلس الخبراء، حول المقاربات التقريبية الحديثة في الأزهر. وحجة الإسلام محمد حسن زماني: المستشار الثقافي السابق في مصر، حول دور الراحل في وحدة الأمة. والدكتور محمود ويسي، الذي استعرض الجوانب العلمية والمؤلفات الفكرية للدكتور أحمد عمر هاشم.

رئيس بعثة رعاية المصالح المصرية في طهران: تكريم “أحمد عمر هاشم” رسالة لتعزيز الحوار الثقافي والأكاديمي بين الدول الإسلامية
صرح السيد محمد ضياء، رئيس مكتب رعاية المصالح المصرية في إيران، بأن إقامة مراسم تكريم العلامة الأستاذ “أحمد عمر هاشم” في طهران، تحمل في طياتها رسائل جوهرية ومهمة في سياق تعزيز الحوار الثقافي والعلمي، وتفعيل التعاون الأكاديمي بين الدول الإسلامية.
ووفقا لجامعة المذاهب الإسلامية، فقد أكد السيد ضياء خلال كلمته في الحفل أن الفقيد الراحل أحمد عمر هاشم، رئيس جامعة الأزهر الأسبق، كان من أبرز قامات الفكر الإسلامي المعاصر، ورمزاً من رموز العقلانية والاعتدال والاستنارة الدينية، حيث اضطلع بدورٍ محوري في حراسة الوعي الديني ومواجهة تيارات التطرف.
وأضاف: إن هذه المراسم لا تقف عند حدود الاحتفاء بشخصية علمية فحسب، بل هي احتفاءٌ بمكانة ودور علماء الدين في هداية المجتمع، وصياغة الوعي العام، وترسيخ قيم الاعتدال والتعقل والحكمة في أرجاء العالم الإسلامي.
وتابع رئيس البعثة المصرية قائلاً: لقد قدم أحمد عمر هاشم طوال مسيرته العلمية الحافلة، ولاسيما إبان رئاسته لجامعة الأزهر، نموذجاً فذاً للعالم الذي استطاع الجمع بین عمق المعرفة الدينية والأصالة العلمية وبين الانفتاح الفكري؛ فكان صوتاً للعقل والتوازن في حقبة تلاطمت فيها التحديات الفكرية والثقافية.
ونوه رئيس مكتب رعاية المصالح المصرية في إيران بالمكانة التاريخية للأزهر الشريف، مؤكداً أن: الأزهر، بوصفه جامعاً وجامعة، يُعد من أعرق المنارات العلمية في العالم الإسلامي، وقد اضطلع تاريخياً بدورٍ محوري في نشر قيم التسامح والتعايش والحوار، والوقوف سداً منيعاً في وجه الفكر المتطرف.
واستطرد “ضياء” قائلاً: إن احتضان طهران لهذه المراسم يبعث برسائل بالغة الأهمية في سبيل تعزيز الحوار الثقافي والعلمي بين الأقطار الإسلامية، كما يعكس الآفاق الرحبة والفرص الكبيرة لتطوير التفاهم المشترك، والتعاون الفكري، والتبادل الأكاديمي بين الشعوب المسلمة.
وفي الختام، أعرب عن تقديره للقائمين على تنظيم هذا المحفل، مشدداً على أن تكريم قاماتٍ علمية بحجم الأستاذ أحمد عمر هاشم، هو في جوهره صيانةٌ لمقام العلم والعقلانية الدينية، واحتفاءٌ بالدور الذي تلعبه المؤسسات العلمية الكبرى في مد جسور التواصل والتقارب بين الشعوب الإسلامية.

رئيس جامعة المذاهب الإسلامية: بمقدورنا والأزهر تقديم نموذج حديث للتعاون العلمي والتقريبي
شدد رئيس جامعة المذاهب الإسلامية الدولية على ضرورة “إعادة تعريف المفاهيم المفتاحية” في العالم الإسلامي، مؤكداً أن التفاعل بين الأزهر الشريف وجامعة المذاهب لا ينبغي أن ينحصر في الأطر الإدارية والبروتوكولية، بل يتطلب “هندسة اجتماعية إسلامية” تنهض على ثلاثة مستويات: المعرفي، والمؤسساتي، والتواصلي.
وفي كلمته خلال مراسم التأبين، أعرب الدكتور محمدهادي فلاح زاده عن تعازيه الحارة للأسرة الأكاديمية في العالم الإسلامي، ولجامعة الأزهر والشعب المصري، برحيل العلامة أحمد عمر هاشم، مشيداً بخدماته الجليلة في ميادين العلم والتقريب.
الأزهر وريادة الإسلام الرحماني
وأوضح فلاح زاده أن الفقيد كان من أبرز رموز العلم والاعتدال والحوار الديني، مؤكداً أن الأزهر الشريف ظل تاريخياً يحمل راية الإسلام الرحماني والعقلانية الدينية في مواجهة التطرف، وكان للدكتور هاشم دورٌ مؤثر في تعزيز التفاعل بين المذاهب وتقديم قراءة رصينة ومتوازنة للدين. واستعرض رئيس الجامعة رسالة المؤسسة التي يرأسها، مشيراً إلى أنها تأسست عقب انتصار الثورة الإسلامية بناءً على فكر الإمام الخميني (قده)، وبدعم وتوجيهات قائد الثورة الإسلامية، لتكون مهمتها مرتكزة على حوار المذاهب، والدراسات المقارنة للأديان، والمواجهة العلمية للتيارات المتطرفة والتكفيرية.
وأكد فلاح زاده على “وحدة الرسالة” بين الأزهر وجامعة المذاهب، داعياً إلى تجاوز التعاون المقطعي نحو هندسة اجتماعية شاملة تؤدي إلى إعادة صياغة الروابط الاجتماعية والمعرفية داخل الأمة، وحدد مستوياتها كالتالي:
المستوى المعرفي: ضرورة إعادة تعريف مفاهيم مثل “الأمة”، “الوحدة”، “الاختلاف”، و”العلم الديني”، بحيث لا يُنظر إلى التنوع المذهبي كتهديد، بل كذخرٍ يثري المعرفة الإسلامية.
المستوى المؤسساتي: تصميم هيكليات تتيح التعاون الخلاق وشبکات البحث المشترك، مع الحفاظ على الاستقلال الهوياتي لكل مذهب، وتحويل المؤسسات العلمية من كيانات متوازية إلى بنىً متداخلة ومتكاملة.
المستوى التواصلي: إيجاد لغة مشتركة تقوم على الكرامة الإنسانية، والإصغاء الفعال، والفهم الدقيق لوجهات نظر الآخر، بعيداً عن اختزال الاختلافات في صورة صراعات.
دعوة لتشكيل “فريق عمل مشترك”
واختتم فلاح زاده كلمته بالإشارة إلى أن الأزهر بعمقه التاريخي الذي ناهز الألف عام، وجامعة المذاهب الإسلامية بوصفها مؤسسة حديثة ذات رسالة تخصصية، يقفان في لحظة تاريخية فارقة لتقديم نموذج رائد للتعاون. واقترح تشكيل “لجنة عمل مشتركة” بين الجامعتين لدراسة المتطلبات المعرفية والمؤسساتية، وتدوين “وثيقة مباحث وأصول التعامل بين المذاهب” لتكون ركيزة لتعاون مستدام ومؤثر.

المستشار الثقافي السابق في مصر: الأزهر جسرٌ ممدود للوحدة وعنوانٌ للمحبة والتقريب
أكد حجة الإسلام والمسلمين محمد حسن زماني، المستشار الثقافي الإيراني الأسبق لدى القاهرة، أن الأزهر الشريف بمكانته التاريخية وجذوره الضاربة في القدم، ظل عصياً على التفرقة، ومنارةً تشع بالوحدة والتقريب بين المذاهب الإسلامية.
وفي مستهل كلمته خلال مراسم التكريم، أشار الشيخ زماني إلى الرمزية التاريخية للاسم قائلاً: إن لفظ “الأزهر” مشتقٌ من “الزهراء”؛ تلك الكلمة التي تقترن بالنور والضياء والسطوع؛ النور الذي أضاء الوجود وانبثقت منه الأقمار. وأضاف: إن إيران ومصر هما مهدا الحضارة، ومنبع الجامعات والكتاب والمعرفة؛ ورجالهما العظام رفعوا رايات الهداية، وسيخلدهم التاريخ كمناراتٍ لا تنطفئ.
الأزهر.. ألف عام من التقريب
وحول الدور الريادي للأزهر في الوحدة الإسلامية، أوضح زماني: على مدى أكثر من ألف عام، ورغم التقلبات التاريخية التي حاصرت هذه المؤسسة أحياناً، إلا أنها بقيت منذ تأسيسها وحتى يومنا هذا رمزاً للوحدة، ومنبراً للتقريب، ومستودعاً لمحبّة أهل بيت النبي (ص).
واستذكر المستشار الثقافي السابق المواقف التاريخية لعلماء الأزهر، وفي مقدمتها فتوى الإمام الشيخ محمود شلتوت التاريخية التي أجازت التعبد وفق فقه الإمامية الجعفرية، واصفاً إياها بأنها: أحدثت تحولاً عظيماً في مسار التآلف والتقارب بين المذاهب. كما أشار إلى تجليات الوحدة في العبادة، مؤكداً أن اقتداء أتباع المذاهب ببعضهم البعض في الصلاة هو أسمى صور الوحدة العملية.
تجربة حية في “لجنة الفتوى”
وروى الشيخ زماني موقفاً شخصياً يعكس روح التآخي في الأزهر، قائلاً: خلال مشاركتي في إحدى جلسات “لجنة الفتوى” بالأزهر، وحين حان وقت الصلاة، طُلب مني أن أتقدم للإمامة، فصلى خلفي مفتون من مختلف المذاهب السنية؛ لقد كانت تلك اللحظة تجسيداً حياً لمعنى التقريب.
كما نوه بجهود الأزهر في الانفتاح على المصادر الشيعية، ومنها تدريس فقه الإمامية، وطباعة أمهات الكتب الشيعية مثل تفسير “مجمع البيان” للشيخ الطبرسي، مما أتاح لعلماء السنة الاطلاع المباشر على المنابع الفكرية لمدرسة أهل البيت.
الرؤية الوحدوية للراحل أحمد عمر هاشم
واختتم زماني كلمته باستعراض رؤى الفقيد الراحل أحمد عمر هاشم، مؤكداً أنه كان يشدد دائماً على ضرورة التحديد الدقيق للأصول والفروع، والتمسك بمحبة أهل البيت، وحث علماء السنة على نقل فضائلهم، والاستفادة من الثراء الفقهي للمذاهب الإسلامية كافة، معيداً التأكيد على الالتزام بروح فتوى الإمام شلتوت كمنطلق أساسي للعمل التقريبي.

خامهيار يستعرض معالم دراسة حول تراث “أحمد عمر هاشم”: صوتُ العقلانية ومحطمُ أصنام التطرف
استعرض الدكتور عباس خامهيار، المستشار الثقافي الإيراني الأسبق في لبنان، محاور ورقة بحثية رصينة تتناول الإرث الفكري للعلامة الشيخ أحمد عمر هاشم، مؤكداً أن هذا القطب الأزهري لم يكن مجرد محدثٍ بارز، بل كان أحد أهم منادي الاعتدال والتقريب، والمدافعين علمياً عن حياض الإسلام ضد الإرهاب.
وأوضح خامهيار أن الدراسة، التي جاءت تحت عنوان “أزهرُ الاعتدال والتقريب: تمهيد لفهم الميراث الفكري للشيخ أحمد عمر هاشم”، هي بحث علمي مستند يقع في نحو 25 صفحة، اعتمد على المنهج الوصفي التحليلي، والمطالعات المكتبية، والاتصالات الميدانية مع الأزهر الشريف ومراكز الأبحاث الدولية، لتقديم صورة بانورامية عن حياة هذا العلامة ومواقفه.
مواجهة “داعش” والتبديع بلا ضوابط
وبيّن المستشار السابق أن الهدف الرئيس للبحث هو تحليل المسار العلمي والاجتماعي للشيخ هاشم، لا سيما دوره في ترويج التقريب بين المذاهب، ومواقفه الصريحة والمستندة إلى الدليل الشرعي ضد التيارات المتطرفة مثل “داعش” وجماعات التكفير العشوائي؛ وهو موضوعٌ يرى خامهيار أنه “لم يُشبَع بحثاً” من الناحية العلمية المستقلة.
وسلطت الدراسة الضوء على شجاعة الشيخ هاشم العلمية، حيث كان يدعو بانتظام —رغم انتمائه للجيل الأزهري التقليدي— إلى ضرورة المراجعة الدورية للمناهج التعليمية في الأزهر (حتى لو لزم الأمر كل ثلاث سنوات)، مواكبةً للعصر وضماناً لحيويتها الفكرية.
رد القتل باسم الدين وحرمة الدماء
كما استعرضت الورقة البحثية دور الشيخ في تعزيز القوة المؤسساتية للأزهر في إصدار الفتاوى والسياسات العلمية، وحضوره المؤثر في المحافل الدولية. وأكد خامهيار أن من ثوابت الشيخ هاشم:
الرفض القاطع للعنف والقتل الممنهج تحت عباءة الدين.
براءة الإسلام من وصمة الإرهاب والتكفير.
حرمة الأنفس وأماكن العبادة لجميع أتباع الأديان دون استثناء.
فلسطين و”طوفان الأقصى”
وأشار خامهيار إلى أن البحث وثّق مواقف الشيخ تجاه قضية فلسطين والقدس، خاصة بعد أحداث السابع من أكتوبر (طوفان الأقصى)؛ حيث اتخذ مواقف مبدئية واضحة في نصرة غزة وإدانة جرائم الكيان الصهيوني، رغم الحساسيات السياسية والظرفية الراهنة.
خاتمة: رسالة حضارية
واختتم خامهيار بالإشارة إلى أن الدراسة تنقل في جزئها الأخير شهادات كبار علماء مصر والعالم الإسلامي حول مكانة الفقيد، لتقدم في النهاية تقييماً شاملاً لشخصيته كأحد أبرز وجوه الفقه الإسلامي المعاصر، حاملةً رسالته الفكرية والحضارية إلى جيلنا الحاضر، كخطوة نحو تعزيز خطاب العقلانية والوحدة.
الاجتهاد موقع فقهي