خاص الاجتهاد: آية الله نوري الهمداني: علينا أن نغرس في ذواتنا ثقافة الحياة في عصر الظهور، فبدون نظامٍ تعليميٍّ منسجمٍ مع المجتمع المهدوي سيكون الانحراف مؤكداً
قال سماحة آية الله الشيخ حسين نوري الهمداني، في رسالةٍ وجّهها إلى «الملتقى الوطني الخامس حول المهدويّة والثورة الإسلامية»: من الواجب والضروري أن نتربّى على ثقافة الحياة في زمن الظهور، ولن يتحقق ذلك إلا ببذل التعليم والأسرة جهوداً كبيرة في هذا السبيل، فإن لم يكن النظام التعليمي على مستوى المجتمع المهدوي، ولم تعمل الأسر على تهيئة أساليب الحياة المنتظِرة، فسيكون الانحراف أمراً حتمياً.
وجاء في نصّ رسالته ما يلي:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا أبي القاسم المصطفى محمد، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين، سيما بقيّة الله في الأرضين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.
أتوجه بالتحية والإجلال إلى هذا الملتقى الكريم المفعم بالمعنوية، وأبارك ميلاد المصلح العالمي، الموعود للأمم، الإمام صاحب العصر والزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
في ثقافة التشيّع، يُعدّ عصر الغيبة من أهم المراحل وأكثرها تأثيراً، والمهدوية إحدى الركائز الأساسية التي دفعت بحركات مقاومة الظلم والاستبداد عبر التاريخ، بهدف تنبيه المجتمعات البشرية وتحقيق العدالة، وإعداد البشرية لقبول حكومةٍ عالميةٍ عادلة. ولا شكّ أن هذه الرؤية تؤدي إلى ترسيخ السلام والأمن وانتصار جبهة الحقّ على الباطل.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾
تشير الآية إلى أنّ المؤمنين يجب أن ينظّموا حياتهم وفق هذا المبدأ. فإذا نظرنا إلى المهدوية باعتبارها أحد أهمّ أسس العقيدة الشيعية، وأولينا لها دوراً حاسماً في سلوكنا الفردي والاجتماعي، نكون بذلك قد ساهمنا في تحقيق الشعار القرآني القاضي بوراثة المؤمنين الأرض.
إنّ المهدوية في الفكر السياسيّ الشيعيّ تمثّل ركناً أساسياً، والثورة الإسلامية في عصرنا—التي حقّقت حلم الأئمّة (عليهم السلام) والفقهاء على حدٍّ سواء—قامت على محور المهدوية. فبينما تأثّرت الثورات الأخرى عبر التاريخ بعوامل اجتماعية أو اقتصادية أو ثقافية وسياسية بحتة دون اعتبارٍ لعقيدةٍ دينية، جاءت الثورة الإسلامية على النقيض تماماً؛ إذ كانت الثورةَ الشعبيّة المرتكزة على أصلٍ عقائديٍّ محوريّ هو الإيمان بالمهدوية.
إنّ الثورة الإسلامية في جوهرها تجسيدٌ عمليٌّ للفكر السياسي المهدوي، وأبرز ثمارها تحقيق نظرية «ولاية الفقيه» تجسيداً للنيابة العامة عن الإمام المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف). فـ«الفقيه الجامع للشرائط» هو نائب الإمام في قيادة الأمة وتطبيق الشريعة، وهذه الولاية لا تختص بمنطقةٍ جغرافيةٍ بعينها بل تشمل جميع المسلمين في العالم، ومن هنا فإنّ وليّ الفقيه ليس مجرد زعيم سياسي، بل هو مظهرٌ للنيابة الدينية الكبرى.
ومن هذا المنطلق كان الإمام الراحل (رحمه الله) يؤكد دائماً أنّ النظام الإسلامي هو تمهيدٌ للظهور، ويحثّ على أن نحافظ دائماً على حالة الاستعداد له. وفي الروايات إشاراتٌ رمزية إلى ذلك، منها أن يملك المؤمن سيفه وهو على فراشه، أي أن يكون على أهبة الاستعداد، فالسيف هنا يرمز إلى الجهوزية الروحية والعقائدية.
إنّ الثورة الإسلامية تمثّل جسراً نحو المستقبل والظهور، ومن الضرورة القصوى أن نغرس في أنفسنا ثقافة الحياة في عصر الظهور. ولن يتحقق هذا إلا بتعاون التعليم والأسرة في تربية الأجيال تربية منتظِرة فاعلة، فحينما يُقصّر النظام التعليمي عن بلوغ مستوى المجتمع المهدوي، ولا تعتني الأسرة بإرساء أسُس الحياة المهدوية، تكون النتيجة الانحراف المؤكد. ونحن إذ نحيا في هذا العصر الفريد من الغيبة وقد أُقيمت—بفضل الله—حكومةٌ دينيةٌ قائمةٌ على مبدأ ولاية الفقيه، علينا أن نثمّن هذه النعمة ونغتنمها استعداداً لظهور منقذ البشرية.
كما يجب على النخبة، خصوصاً في الحوزة والجامعة، أن ترصد بدقة التحديات والتهديدات، وتسعى بجدٍّ لمعالجتها، ولا سيما في مجال التعليم والأسرة، أمام ما برز اليوم من تحدياتٍ في فضاء الإنترنت والذكاء الاصطناعي. عليهم أن يوظّفوا هذه الأدوات الحديثة بما يحقق الفائدة ويمنع الأضرار والآفات.
ونحن جميعاً نعلم أن هذه الثورة التي هي ثمرة دماء آلاف الشهداء وجهود الشعب الإيراني العظيم وقيادة الإمام الجليل، ستتصل—بقيادةٍ حكيمةٍ من سماحة القائد آية الله السيد علي الخامنئي—بمرحلة الظهور إن شاء الله.
وفي الختام، نسأل الله التوفيق لنيل شرف الخدمة بين يدي صاحب العصر والزمان (عليه السلام)، وأتقدّم بالشكر الجزيل لكلّ القائمين على ملتقى المهدوية والثورة الإسلامية، ولا سيّما مؤسسة الإمام المهدي الموعود الثقافية (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
حسين نوري الهمداني
الاجتهاد موقع فقهي