الرئيسية / الضبط / 5 مذكرة / التطوّر التاريخي للكتب الدراسية في الفقه والأصول
الكتب-الدراسية-في-الحوزة

التطوّر التاريخي للكتب الدراسية في الفقه والأصول

من الطبيعي أن يؤثر مرور الزمن وتطوّر الدرس الأصولي والفقهي على الكتب المعتمدة في التدريس في الحوزات العلمية، وهذا تماماً ما لاحظناه مع كتب الفقه والأصول منذ زمن الشيخ المفيد وإلى يومنا هذا، وسوف نحاول في هذا الكتابة رصد أهمّ هذه الكتب التي شكّلت محور الدروس الحوزوية في المراحل الأولى وفي مرحلة الدراسات العليا أيضاً في جملة من الأحيان. بقلم : الشيخ حيدر حب الله

الاجتهاد: من الطبيعي أن يؤثر مرور الزمن وتطوّر الدرس الأصولي والفقهي على الكتب المعتمدة في التدريس في الحوزات العلمية، وهذا تماماً ما لاحظناه مع كتب الفقه والأصول منذ زمن الشيخ المفيد وإلى يومنا هذا، وسوف نحاول رصد أهمّ هذه الكتب التي شكّلت محور الدروس الحوزوية في المراحل الأولى وفي مرحلة الدراسات العليا أيضاً في جملة من الأحيان، على الشكل التالي:

1 ـ  التذكرة بأصول الفقه، للشيخ المفيد (413هـ)

لعلّه يمكن عدّ هذا الكتاب من أقدم الكتب الدرسية في مادّة أصول الفقه عند الشيعة الإمامية كما يرى بعض الباحثين في تاريخ العلوم، وهذا الكتاب ألّفه الشيخ المفيد المعروف بنزعته العقلية في الفكر الإسلامي وباطّلاعه الواسع على منجزات المعتزلة والفرق الكلامية، وكذلك المذاهب المتعدّدة عند أهل السنّة، لهذا يترقّب ـ مبدئيّاً ـ أن يكون في الكتاب إطلالة على النظريات والطروحات الأصولية حتى عصره عند المذاهب الإسلامية كافّة.

إلا أنّ المؤسف أنّ الكتاب لم يصلنا، وإنما وصلنا مختصره الذي أورده الشيخ الكراجكي (449هـ) تلميذ المفيد، والمختصر يشير إلى أنّه أصول فقه موجز جداً فيه بعض الإشارات الخفيفة. ويرجّح أنّ المفيد لم يُسهب في الكتاب؛ لأنّ المرتضى والطوسي لم يشيرا عندما صنّفا كتابيهما الأصوليَّين إليه ولم ينقلا أفكاراً عنه، مما يشير إلى أنه لم يكن أساسيّاً، وقد أشار الطوسي إلى اختصار الكتاب([4])، وأعتقد أنّ الفترة لم تكن طويلة حتى ظهرت كتب الطوسي والمرتضى الأصولية لتحلّ محلّ (التذكرة)، فإذا كان كتاباً درسياً فربما اعتمد فيما بعد للمراحل الأولى.

2 ـ العدّة في أصول الفقه، للشيخ الطوسي (460هـ)

وهو كتاب أصولي موسّع اعتمدته الحوزات العلمية، ويبدو أنه أخذ كثيراً مما كتبه السيد المرتضى في (الذريعة)، وقد احتلّ موقعاً متميّزاً عند الشيعة في أصول الفقه ـ إلى جانب الذريعة ـ طيلة قرنين من الزمن، وكان محوراً في هذا المضمار.

ويمتاز كتاب العدة بـ: 1ـ بالبحث المقارن. 2ـ بالبعد العقلي التحليلي. 3ـ بالتفصيل في ذكر الوجوه والأدلّة ومناقشاتها. 4 ـ بتبويب الأصول تبويباً منهجياً غير فوضوي، يشبه طريقة المعتزلة في التنظيم.

3 ـ النهاية في مجرد الفقه والفتاوى، للشيخ الطوسي (460هـ)

شكّل هذا الكتاب محوراً للتدريس الفقهي في الحوزات العلمية، وامتاز باختصار عبارته وقابليّته للحفظ والتعليق والشرح، وكذلك بقربه من النصوص الحديثية نفسها، لكنّه كان يفتقر إلى تنظيم فنّي للمسائل، حيث غلب عليه استخدام الأسلوب السردي في عرض المسائل الفقهية الواحدة تلو الأخرى، من هنا وجدناه بعيداً عن النمط التقعيدي في الفقه إلا نادراً، فكان شبيهاً بنمط التدوين الفقهي الحنبلي أكثر من النمط التدويني المعتزلي.

4 ـ معارج الأصول، للمحقّق الحلي (676هـ)

يعدّ هذا الكتاب دورةً أصوليّة مختصرة منضبطة الألفاظ مكثفة في معانيها، تمتاز بسهولة العبارة، وجودة الترتيب، وتختصر مباحث أصول الفقه حتى القرن السابع الهجري. وليس في هذا الكتاب زيادات كثيرة ـ من حيث المضمون ـ عن مرحلة الطوسي والمرتضى؛ لأنّ أصول الفقه الإمامي لم يتطوّر في هذين القرنين كثيراً.

5 ـ شرائع الإسلام والمختصر النافع، للمحقّق الحلي (676هـ)

يعدّ هذان الكتابان من أهمّ الكتب الدرسية عند الشيعة، وقد ظلّ الأول منهما معتمداً في تدريس المقدّمات والسطوح، وكذا في دورات البحث الخارج حتى يومنا هذا، والثاني مختصر الأوّل، فيما كتاب (المعتبر) يمثل توسعةً على شرائع الإسلام.

يمتاز الشرائع بـ: 1ـ ضبط متقن للعبارات. 2ـ بيان موجز للأقوال. 3ـ ترتيب فائق الجودة للأبواب والمسائل والموضوعات. 4ـ إشارات خفيفة لبعض الأدلّة. 5ـ حسم الفتوى أحياناً والتردّد أحياناً أخرى.

6 ـ المصنّفات الأصولية والفقهية، للعلامة الحلي (726هـ)

احتلّت بعض كتب العلامة الحلي محور الدرس الحوزوي، فإنّ كتبه على نوعين:

1ـ مطوّلات،مثل: تذكرة الفقهاء، ومختلف الشيعة، ومنتهى المطلب، ونهاية الوصول إلى علم الأصول.

2ـ ومختصرات،مثل: قواعد الأحكام، وإرشاد الأذهان، وتهذيب الوصول، ومبادئ الأصول.

شكّلت مختصرات العلامة الحلّي متوناً لمطوّلاته إذ جاز التعبير، فاعتمدت في المراحل الأولى من الدرس الحوزوي في نفسها، فيما اُخذت بمعونة المطوّلات موادّ للدراسات العليا.

وتمتاز كتبه عموماً بـ: أ ـ شمولية التتبع. ب ـ البُعد المقارن. ج ـ سهولة التعبير. د ـ إبراز فنّ المناقشة الفقهية وطريقتها. هـ ـ تطبيق القواعد الأصولية في الفقه بشكل أوضح أو ظهور الأصول في الفقه في مراحله الأولى. وـ وجود اضطراب في الأفكار وتذبذب وتغيير كثير نسبيّاً في الآراء.

7 ـ معالم الدين وملاذ المجتهدين، للشيخ حسن العاملي (1011هـ)

يعدّ هذا الكتاب مجموعة غير كاملة في الفقه حملت عنوان فقه آل ياسين، لكنّ مقدّمته الأصولية هي التي اعتمدت بديلاً عن كتب الطوسي والحلّيين، وتمتاز بـ: أ ـ جودة البيان. ب ـ عكسها لآخر التطوّرات الأصولية لاسيما وأنّ صاحبها عاش في بدايات الحقبة الإخباريّة وتلمّذ على المحقق الأردبيلي. ج ـ عمق المطالب والمضامين مقارنةً بما سبق. د ـ ترتيب الأصول ترتيباً متميّزاً. هـ ـ عرض الآراء ومناقشاتها باختصار مع جامعيته من حيث البيان والرصد. و ـ ظهور النزعة الفلسفية في الأصول بشكلٍ أوّلي جدّاً.

هذا، وقد كتبت على هذا الكتاب عشرات الشروح والحواشي، واعتمد متناً لدراسات بحث الخارج، وما يزال في بعض الحوزات معتمداً، وقد شهد نهاياته في العقود الأخيرة.

8 ـ الروضة البهيّة، للشهيد الثاني (965هـ)

يعدّ كتاب (الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة) من أهمّ الكتب التي عليها المدار فقهياً في مرحلة السطوح، وهو شرحٌ لكتاب (اللمعة الدمشقية) للشهيد الأول.

ويمتاز كتاب الروضة مع اللمعة بـ: 1ـ سهولة العبارة وفصاحتها. 2ـ بيان بعض القواعد الفقهية. 3ـ عدم وجود بحوث ذات نزعة فلسفية تحليليّة. 4ـ دورة كاملة في الفقه متساوية النسبة، تهتمّ بغير العبادات أكثر من العبادات. 5ـ رصد متوسّط للأقوال وإبراز الآراء والمناقشات. 6ـ عدم حضور البحث الرجالي أو الأصولي بقوّة.

9 ـ زبدة الأصول، للشيخ بهاء الدين العاملي (1030هـ)

يعدّ هذا الكتاب متناً مختصراً لأصول الفقه على طريقة مختصر ابن الحاجب، واختصاره يتّسم بالتعقيد، وينشأ معه الطالب على السعي لفكفكة العبارات وتحليل الإشارات المبثوثة في النصّ المكثّف. كما يتسم الكتاب بنزعة ذات طابع فلسفي تقرّب البحث الأصولي من العقليات، وقد وضع مقدّمةً في الأمور المنطقية متابعاً في ذلك الشيخ أبا حامد الغزالي (505هـ).

10 ـ الوافية في أصول الفقه، للفاضل التوني (1071هـ)

يعدّ هذا الكتاب بالغ الأهمية؛ إذ جاء في العصر الإخباري من جهة، وقدّم صاحبه تبويباً مختلفاً للأصول من جهة ثانية، وقد امتاز بنمط جديد من البحث الأصولي وطرح نظريات جديدة، لكنه ظلّ مرجع الأصوليين في عصر ضعفهم أمام الإخباريين.

11 ـ 12- القوانين المحكمة في أصول الفقه، للميرزا القمي (1232هـ)، والفصول الغروية للإصفهاني (1261هـ)

يمتاز هذان الكتابان بأنّهما: 1ـ موسّعان جداً. 2ـ مليئان بدقائق الأبحاث الأصولية. 3ـ جاءا في عصر الانسداديين. 4ـ يحملان نزعة نقدية واسعة. 5ـ فيهما متابعات كثيرة للآراء والأدلّة والأقوال. 6ـ معقّدان من حيث العبارة وصعبان من حيث البيان. 7ـ يحتويان أفكاراً غزيرة.

وقد سيطر هذان الكتابان على الحوزات العلميّة، وظلّا حتى زمن قريب مادّةً للتدريس فيما يعرف بمراحل السطوح العليا.

13 ـ 14- فرائد الأصول والمكاسب، للشيخ الأنصاري (1281هـ)

يمتاز الكتابان (وأوّلها في الأصول والثاني في الفقه) بـ:

1ـ بسط مطوّل يفوق التصوّر للأبحاث والأقوال والأدلّة والمناقشات، ربما تأثراً بصاحب الجواهر وصاحبي القوانين والفصول.

2ـ توثيق للآراء بشكل موسّع لكن أكثره بالواسطة.

3ـ دورة غير كاملة للفقه؛ لأنه في المكاسب والبيع فقط، مع أنه في أصول العقود، ودورة غير كاملة في الأصول أيضاً؛ لأنه لا يحوي مباحث الألفاظ، بل يقتصر على الحجج والأصول العملية والتعارض، وقد عُدّ ذلك نقطة نقص على المستوى التعليمي([5]).

4ـ عدم وجود تنظيم مميّز للأبحاث، بل هناك بعض الفوضى في الترتيب، وكذا في بيان تصميم البحث قبل الشروع فيه.

5ـ عدم وجود تسلسل ووضوح في نظر المصنّف، بل يقوم بشكل أكبر على الأخذ والردّ والدفاع ثم التبنّي، ثم النقد، الأمر الذي يسبّب أحياناً تشويشاً في الذهن.

6 ـ يحوي نقلاً للنصوص الحرفية؛ ولهذا فهو يشتمل على الكثير من المنقولات.

7ـ العبارات عموماً واضحة نسبياً مقارنةً بكتب أخرى كالقوانين والفصول وغيرهما.

8ـ سيطرة كاملة لمدرسة الكتابين على الحوزات العلميّة إلى يومنا هذا، حتى أنّ أغلب معايير العمق الاجتهادي توضع في ضوء هذين الكتابين، حتى اعتقد الشيخ المطهري بتشابه عصرنا مع فترة الركود التي فصلت بين عصر الشيخ الطوسي (460هـ) والشيخ ابن إدريس الحلي (598هـ).

15 ـ كفاية الأصول، للآخوند الخراساني (1329هـ)

يمتاز هذا الكتاب بـ: 1ـ إنّه دورة كاملة في الأصول.

2ـ مختصر، وغير مطوّل حتى أنه ينقل عنه أنه بدّل ثلاثين سنة كان يقضيها الطالب مع رسائل الشيخ الأنصاري بثلاث سنوات يقضيها في دراسة كفاية الأصول، وأنّ بعض تلامذته أجابه في حينه عن ذلك بأنّ السبع وعشرين سنة الباقية يقضيها الطالب في تفكيك عبارات الكفاية وإرجاع الضمائر!.

3 ـ يعتمد اتجاه تهذيب الأصول فيحذف عادةً مباحث التعريفات، وكثيراً من الأقوال، وكثيراً من الأدلّة والمناقشات.

4ـ يجلي محلّ النزاع ويوضح الفرق بين المسائل وجهات البحث فيها.

5 ـ يمتاز بعجمة لفظية وتعقيد في البيان([6])، حتى تاه العلماء في تفسير عباراته، مثل بحث وحدة القضية المتيقّنة والمشكوكة ومسألة اتصال زمان الشك باليقين في الاستصحاب. 6 ـ يركّز على إبداء رأيه أولاً ثم التعريف بغيره، بعكس منهج الشيخ الأنصاري.7 ـ الجزء الأول منه ناظرٌ في الغالب إلى الفصول والقوانين، فهو تعليقة عليهما إذا جاز التعبير، فيما الجزء الثاني ناظر إلى فرائد الأصول للشيخ الأنصاري.

16 ـ أصول الفقه، للشيخ محمّد رضا المظفر (1381هـ)

هذا الكتاب دورة أصولية غير كاملة، وتمتاز بـ: 1 ـ سهولة التعبير وجماليّته وفصاحته. 2 ـ تحرير محلّ النزاع. 3ـ ترتيب المطالب والأبحاث. 4ـ الإطلالة على بعض أبحاث الأصول السنّي كالقياس و.. 5ـ التطعيم بأمثلة وحالات تطبيقية. 6ـ أكثره انعكاس لمدرسة المحقق الإصفهاني.

17 ـ دروس في علم الأصول، للشهيد محمد باقر الصدر (1400هـ)

دورة أصولية كاملة: 1ـ تطرح منهجيةً وتقسيماً جديداً لعلم الأصول. 2ـ تمتاز بصياغات جديدة وتعابير حديثة. 3ـ تلاحظ تطوّرات الدرس الأصولي ما بعد الأنصاري والخراساني. 4ـ تمثل برنامجاً للسطوح كلّها على خلاف أصول المظفر. 5 ـ يوجد ارتباك أحياناً في بياناته وتعقيد أحياناً أخرى على خلاف أصول المظفر.

هذا، وقد حاول كثيرون تقديم نماذج ومشاريع مناهجية وألّفوا كتباً لتكون بديلاً عن كتب موجودة داخل الحوزة العلمية أو إلى جانبها، لكنّها لم تحظ بالرواج، أو حظيت بشكل محدود، مثل البداية والكفاية للشيخ محمد تقي الفقيه، وأصول الفقه في ثوبه الجديد للشيخ محمد جواد مغنية، والموجز في أصول الفقه للشيخ جعفر السبحاني، ودروس تمهيدية في الفقه الاستدلالي للشيخ باقر الإيرواني، وأعمال الشيخ عبد الهادي الفضلي، والأصول العامّة للفقه المقارن للسيد محمد تقي الحكيم، والكافي في أصول الفقه للسيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم و..

 

قسم من مقالة بعنوان: الحوزة العلمية ومناهج الدراسات العليا – مطالعة عابرة في أساليب التعلّم والتعليم وقواعد الإدارة التعليمية للشيخ حيدر حب الله

 

 

ijtihadnet.net@gmail.com

عن arabi

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Google Analytics Alternative